إنت بتتكلم بجد كانت أول جملة جت في دماغي لما جوزي حوّل قدام العيلة كلها تحويشة عمرنا لأمه على إنها هدية

لمحة نيوز

 

— مالك ساكتة؟

بصيت من شباك العربية.

وقلت:

— مفيش.

ضحك.


 

— يا ستي ما تكبريش الموضوع.

فلوس وتتعوض.

وأمي فرحت.

وبعدين إحنا هنعرف نجيب غيرها.

هزيت راسي.


 

وسكت.

لأنه كان فاكر إن الموضوع فلوس.

بينما الحقيقة…

إن الموضوع كان حاجة أكبر بكتير.

تاني يوم…


 

بالظبط الساعة 11 وربع الصبح.

عملت تحويل بنكي بنفس المبلغ.

نفس الرقم بالمللي.

لكن لحساب مختلف تمامًا.

وبعدين قفلت الموبايل.


 

واستنيت.

لأن المرة دي…

الدور كان عليه هو إنه يفهم وووو
يتبع


 


 

مرت الساعات بعد التحويل البنكي اللي عملته كأنها ثواني. كنت قاعدة في مكتبه بالمعرض، براجع كشوف حسابات الفعالية الجاية بكل هدوء، وبشرب قهوتي السادة المفضلة. الساعة بقت 12 إلا خمسة.

دقيقتين… وتلفوني بدأ يهتز على المكتب.

الشاشة نورت باسم: “كريم”.

سبته يرن لحد ما فصل.

رن تاني… وتالت.

في المرة الرابعة، فتحت الخط وحطيت السماعة على ودني بمنتهى البرود: حكايات منــال عـلـي

— أيوة يا كريم؟

صوته ما كانش طالع من الصدمة، كان أشبه بشخص اتقطع عنه النفس فجأة:

— منة! إيه ده؟! إيه الرسالة اللي جتلي من البنك دي؟ الحساب المشترك اtextفّضى بالكامل! فيه مبلغ ضخم اتمسح.. إحنا اتسرقنا؟ الحساب اتهكر؟!

أخدت رشفة من القهوة، وقلت بنبرة هادية جدًا، زي النبرة اللي بنقرا بيها نشرة الأرصاد الجوية:

— لا يا حبيبي متقلقش، محدش هكرنا. أنا اللي حوّلت المبلغ.

سكت لثواني، الصمت بتاعه كان واصلني مع صوت أنفاسه السريعة، وبعدين قال بزعيق مكتوم: حصري على صفحه روايات واقتباسات

— نعم؟! حوّلتيه فين؟ وليه؟ ومن غير ما تقوليلي؟!

ابتسمت، اللحظة دي كنت مستنياها:

— عادي يا كريم، ما تكبريش الموضوع… فلوس وتتعوض. مش دي جملتك بتاعة امبارح؟ أنا حوّلت نفس القيمة اللي إنت “أهديتها” لماما مديحة، بس لحساب أمي أنا.. “حماتك”. اعتبرتها هدية ليها عشان تجدد مطبخها، أصلها كانت بتشتكي من رخام المطبخ بقالها فترة. وطبعًا الحساب الباقي سحبت منه الـ 70% بتوعي وحطيتهم في حسابي الشخصي. الحساب المشترك دلوقتي فيه بالظبط… صفر.

— إنتِ اتجننتي يا منة؟! — صوته هز سماعة التلفون — أمي كانت محتاجة كرسي مساج لضهرها! وبعدين دي أمي! إنتِ بتلوي دراعي؟ بتعاندي معايا؟ إزاي تتصرفي في فلوسنا من ورايا؟!

“فلوسنا؟”

الكلمة طلعت مني ضحكة قصيرة بس حادة.

— كريم، فوق. الفلوس دي 70% منها شقايا وتعب سهر الليالي والشغل الإضافي. إنت امبارح ما فكرتش في “فلوسنا” ولا فكرت فيا وإنت بتلعب دور البطل الهمام قدام عيلتك. إنت حوّلت الفلوس في ثانية عشان تشتري لقطة “الابن البار” بفلوس مرتك. وأنا قررت أكون “الابنة البارة” أنا كمان، بس بفلوسك إنت بقى.. الجزء الباقي من تعبك.

— إنتِ بتنتقمي مني؟ — قالها بصوت مخنوق من الغيظ.

— لا، أنا بنظم الفوضى. — رديت وأنا بقفل اللاب توب بتاعي — إنت عودتني إن الحساب ده مش للأمان والتخطيط، ده حساب للقطات الفجائية والهدايا. وأنا مشيت على مبدأك.

— رجعي الفلوس يا منة.. أمي لو عرفت باللي حصل ده، والبنك لو اتكشف كده مش هعرف أتصرف!

— مش هيرجع قرش واحد يا كريم. المطبخ بتاع أمي بدأ يتفكك فعلًا والعمال هناك دلوقتي. وأنا حاليًا بلم حاجتي من الشقة، ورايحة أقعد عندها كام يوم… عشان أبارك لها على المطبخ الجديد. قدامك أسبوع تفكر فيه: هل إنت جاهز لشراكة حقيقية تلتزم بحدودها؟ ولا حابب تكمل دور البطل لوحدك.. بس من جيبك الخاص؟

قفلت السكة قبل ما ينطق بكلمة تانية.

قفلت الموبايل تمامًا.

لأول مرة من ست شهور، حسيت بالراحة. الشنطة كانت جاهزة في عربيتي، والخطوة الجاية مكنتش خطوة غضب، كانت خطوة استرداد كرامة.

لما وصلت بيت أمي، لقيتها واقفه مذهولة وبتقولي: “يا بنتي إيه المبلغ اللي اتبعتلي ده؟!”

حضنتها وقلت لها: “ده تمن كرسي المساج يا أمي.. بس اتقلب رخام!”

يتبع..


 


 

مرت ثلاثة أيام وأنا في بيت والدتي، قافلة تليفوني تمامًا عن كريم وعن أي حد من طرفه. كنت محتاجة السلام ده، ومحتاجة أكتر إنه يواجه نتيجة “البطولة المزيفة” اللي عاشها ليلة العشاء.

في اليوم الرابع، فتحت الموبايل.

الرسائل نزلت ورا بعضها زي المطر.. مكالمات فائتة، ورسائل واتساب طويلة من كريم، بدأت بنبرة عصبية وعتاب، واتحولت بالتدريج لنبرة قلق، لحد ما وصلت للرسائل بتاعة امبارح بالليل… كانت نبرة انكسار حقيقي.

“منة، أرجوكي ردي. البيت كئيب وضلمة من غيرك.”

“أنا قعدت مع نفسي وفهمت.. فهمت أنا عملت إيه.”

رجعت البيت في الميعاد اللي حددته لنفسي. الساعة كانت سبعة بالليل.

فتحت الباب بالمفتاح، ودخلت.

البيت كان هادي، والأنوار كلها مطفية ما عدا أباجورة صغيرة في الصالة. كريم كان قاعد على الكنبة، حاطط راسه بين إيديه. أول ما سمع صوت الباب، رفع راسه بسرعة، وقام وقف.

شياكته المعتادة وفردة ضهره بتاعة ليلة العيلة كانت اختفت. كان باين عليه التعب والندم الحقيقي.

— حمد الله على السلامة يا منة. — قالها بصوت واطي وخافت.

قعدت على الكرسي اللي قباله، وحطيت شنطتي هادية:

— الله يسلمك يا كريم. جاهز نتكلم؟

أخد نفس طويل وقعد تاني، وبص في الأرض وقال:

— أنا مش عارف أقولك إيه.. بس أنا عشت أصعب ثلاثة أيام في حياتي. في الأول كنت مكابر وزعلان على شكلنا قدام البنك وقدام عيلتي، وكنت شايف إنك بتعاقبيني بقسوة. لكن لما قعدت في البيت لوحدي، وبصيت حواليا.. افتكرت كل ساعة إنتِ تعبتي فيها.

سكت شوية وبص في عيني:

— افتكرت لما كنتِ بترجعي الساعة 9 بالليل من المعارض، ورجلك بتوجعك، وعينيكِ مش قادرة تفتحيها من قلة النوم عشان “البروجكت” الجديد يكمل. افتكرت إن الفلوس دي ما كانتش مجرد أرقام في الحساب.. دي كانت صحتك ووقتك وحلمك في السفر وتغيير العربية. وأنا بكل بساطة، وبمنتهى الأنانية، أخدت تعبك ده كله وقدمته هدية عشان أسمع كلمة “برافو يا كريم” من عيلتي. أنا أسف يا منة. أنا بجد آسف.

فضلت باصة له وساكتة. كنت بقيس صدق كلامه. النبرة مكنتش نبرة خوف من الفضيحة، كانت نبرة راجل فهم فعلاً إنه جرح شريكته في مقتل.

— والفلوس اللي راحت لأمي ولـ حماتك؟ — سألته بهدوء.

— مش عايزها. — رد بسرعة — أمي فرحانة بالمطبخ الجديد، وأنا مش هقولها حاجة، ده حقك وحقها. أما بالنسبة لكرسي المساج بتاع أمي… أنا اتصرفت. سحبت قرض شخصي صغير على حساب مرتبي أنا لوحدي، وهسدده من تعبي أنا الشهور الجاية، والكرسي هيوصلها بكره. عشان أتعلم إن اللي عايز يعمل بطل، يعمل بطل بفلوسه وشقاه.. مش بحساب مراته المشترك.

ابتسمت ابتسامة خفيفة، الوجع البارد اللي جوايا بدأ يدوب ويحل محله إحساس بالرضا. كريم اتعلم الدرس، والدرس كان غالي بس كان ضروري عشان المركب تكمل.

قمت وقفت، وقربت منه، وحطيت إيدي على كتفه:

— وأنا قبلت اعتذارك يا كريم. من بكره هنعمل حساب مشترك جديد.. بس المرة دي، السيستم هيتغير. هيبقى فيه “ليميت” للتحويل، ومفيش أي حركة هتحصل فيه غير ببصمتنا إحنا الاتنين مع بعض. عشان نفضل دايماً شركا.. مش واحد بيبني والتاني بيهد.

لمعت عينيه بالفرحة، وهز راسه بالموافقة وهو مرتاح.

في اللحظة دي عرفت إن موهبتي في “تنظيم الفوضى” نجحت تاني.. مش بس في المعارض الثقافية، لكن في تنظيم بيتي وحياتي، وحطت كل واحد في مكانه الصح.

تم نسخ الرابط