بعد 42 سنة جواز، جوزي طلب الطلاق
يكسرني ويدمر بيتنا ويقول إنه بيخونني؟
صوت سارة اتقطع من العياط وهي بتقول
عشان كان بيموت يا ماما.. بابا أيامه في الدنيا معدودة!
السر الأعظم
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. قلبي اتعصر وسألتها بإنكار لأ.. لأ مستحيل!
سارة فتحت شنطتها وطلعت منها أظرف كبيرة وتقيلة.. فتحتها لقيت فيها تقارير طبية، تحاليل، إشاعات، واستشارات دكاترة كبار بره وجوه مصر.
مسكت الورق بإيدين بتترعش وبقيت أفر فيه..
فشل كلوي حاد.. تدهور سريع في وظائف القلب.. خطورة شديدة على الحياة.. ونسب الشفاء شبه منعدمة.
والصدمة الأكبر؟ التواريخ اللي على الورق دي من سنتين فاتوا!
سنتين كاملين وهو مخبي عليا!
سألتها بدموع وحرقة ليه؟ ليه ما قاليش؟ ليه سابني عايشة في الكدبة دي؟
سارة عياطها زاد وقالت
عشان بابا شاف اللي حصل لجدتي أمي.. افتكري يا ماما لما جدو تعب وجاله المرض الوحش، جدتي قضت آخر سنين عمرها كله بتخدمه ليل نهار، وصحتها اتهدت وعجزت قبل أوانها والهم أكلها لحد ما ماتت من التعب والحسرة وراه..
وكملت سارة بابا قالي حرفياً أنا مش هقدر أستحمل أشوف أمك بتتحول لممرضة ليا ليل نهار.. مش هتحمل أشوفها بتموت بالبطء ده بسببي.. مش هقبل إنها توقف حياتها وتعيش في رعب وقلق عليا كل ثانية..
الدموع كانت بتغرق وشي وأنا بسمع كلامها فعشان كده طلقني؟!
سارة هزت راسها هو كان فاكر إنه لما يخليكي تكرهيه، صدمة الطلاق هتعدي، وهتقدري تنسيه وتكملي حياتك من غير ما تتبهدلي في المستشفيات معاه.. كان فاكر إنه كده بيحميكي من وجع أكبر.
يا لغباء الفكرة! ويا لقسوتها!
بس في نفس الوقت.. يا لِعِظم الحب والتضحية اللي وراها!
اتنين وأربعين سنة مع بعض.. وبدل ما يخليني جنبه وأشيل معاه حمله، قرر يكسر قلبي ويموتني بالحيا عشان يحميني من وجع الفراق المرضي!
العودة والشفاء
تاني يوم، إبراهيم فتح عينيه.. وأول حاجة شافها كانت أنا.. قاعدة على الكرسي جنبه وماسكة إيده.
كان باين عليه الضعف الشديد، وجسمه خس، وبقى شكله عجوز وتعبان جداً.
أول ما شافني، عيونه اتملت دموع ووشه اتقلب، وقال بصوت ضعيف يادوب مسموع
أنتي إيه اللي جابك هنا؟ المفروض ما تكونيش هنا..
ضحكت من وسط دموعي وقولت له
بعد اتنين وأربعين سنة جواز.. لسه برضه فاشل جداً في الكدب يا إبراهيم!
غمض عينيه بحزن وعرف إن اللعبة انتهت، وقال سارة حكت لك كل حاجة؟
قولت له آه.. حكت لي.
السكوت ساد بينا للحظات، لحد ما همس وقال
أنا كنت بحاول أخلي الموضوع أسهل..
قاطعته وقولت له أسهل على مين؟ عليا أنا؟
مسكت إيده جامد.. نفس الإيد اللي مسكتها وإحنا بنبني حياتنا، وإحنا بنمر بأزمات الشغل، وإحنا بنشتري شقتنا الأولى، وإحنا بنولد عيالنا وبندفن حبايبنا، وفي كل يوم تلات عادي ومالوش لازمة عدي علينا في ال 42 سنة دي..
وقولت له أنت مالكش الحق إنك تاخد قرار زي ده بالنيابة عني!
كتافه اتهزت وبدأ يعيط زي العيل الصغير وقال أنا كنت خايف..
قولت له وأنا كمان كنت خايفة.
فضلنا ساكتين لفترة طويلة، بعدين ضغطت على إيده وقولت له يا راجل يا غبي!
في اللحظة دي، ظهرت على وشك ابتسامة ضعيفة.. بس كانت أول ابتسامة حقيقية وصافية أشوفها على وشه من شهور طويلة.
الشهور اللي جت بعد كده ما كانتش سهلة خالص؛ كان فيه جلسات علاج، ومواعيد دكاترة، ومناقشات طبية صعبة.. بس على الأقل كان فيه صراحة.
لأول مرة من سنتين، مكنش فيه أسرار ولا كدب بينا.
في يوم من الأيام، البيت كان مليان بدوشة أحفادنا وهما بيلعبوا في الصالة، وإبراهيم قاعد في كرسيه المفضل بيتفرج عليهم وهو مبسوط.. بص لهم، ومد إيده ومسك إيدي وقال بنبرة ندم
أنا ضيعت وقت كتير أوي في البعد عنكم..
هزيت راسي وقولت له لأ.. مفيش حاجة ضاعت.
بص في عيني وسألني بخوف يعني أنتي مش زعلانه مني؟
افتكرت في اللحظة دي ورق الطلاق.. والليالي اللي نمت فيها من غير عشا.. والحسرة والوجع والكسرة اللي عشتهم وأنا فاكرة إنه خانني مع واحدة قد بنته.
بصيت للراجل اللي بقاله 42 سنة بيحبني لدرجة إنه كان مستعد يضحي بسمعته وبوجوده في حياتي عشان راحتي.. حتى لو كان تصرفه غبي وغلط.
وقولت له بابتسامة أنا غضبانة منك جداً ومفروسة!
ضحك من قلبه وقال يعني زعلانة؟
قولت له جداً.. بس أنا قاعدة ومش هسيبك.
عيونه دمعت وقال وأنا كمان مش هسيبك.
في النهاية، اتعلمت إن ساعات الناس مش بتمشي عشان بطلوا يحبونا.. ساعات بيمشوا عشان خايفين علينا أو مرعوبين من بكرة. وساعات أصعب حقيقة لازم نتقبلها هي إن الحب ممكن يخلي البني آدم يعمل حاجات في منتهى الغباء.
إنذار الساعة الذكية ده مش بس أنقذ حياة إبراهيم من الموت.. ده كشف لي حاجة أكبر بكتير؛ الراجل اللي افتكرته خانني وباع العشرة، مكنش مخبي وراه ست تانية.. كان مخبي وراه خوفه المرعب من إنه يخسر الست الوحيدة اللي حبها طول عمره.