بعد سنة كاملة من القطيعة بينى وبين بنتى ،فاجأتني ابنتي فجأة بدعوة على العشاء
صابرين والشرطة يدخلوا.
الفصل الخامس المواجهة الأخيرة
ياسمين في المستشفى دلوقتي تحت حراسة الشرطة، تابع وهو يفتح حقيبته الدبلوماسية ليخرج ملفاً بديلاً، وهي كويسة، وجروحها سطحية. لكن شريف والرجالة اللي معاه اتقبض عليهم بتهمة الاحتجاز، النصب، والابتزاز.
تنفست الصعداء، وشعرت بحمل ثقيل ينزاح عن صدري. لم تكن ابنتي هي من تخلت عني؛ كانت ضحية لكابوس عشنا فيه معاً دون أن ندري.
ودلوقتي يا هدى، قال بيومى بابتسامة انتصار واثقة، احنا مش هنستنى محاكمتهم بس. أنا معايا توكيل رسمي من ياسمين، ومعايا المستندات اللي تثبت إن شريف هو اللي كان بيختلس من شركاتك طول السنين اللي فاتت. احنا اللي هنقفل عليه القفص المرة دي.
وقفت بقوة، ونفضت عن نفسي غبار الخوف والضعف. نظرت إلى طيف القطار المتحرك على الرصيف، وعلمت أن رحلة الهروب قد انتهت، وأن وقت الهجوم قد بدأ. لن أسمح لأي قوة على الأرض أن تؤذي ابنتي مجدداً، والآن.. جاء دور الأم لكي تحمي ابنتها وتسترد حياتهما معاً.
الفصل السادس في غلالة المستشفى
مستشفى المبرة كان يلفه هدوء كئيب في ذلك المساء. تحركت في الممرات الطويلة بخطوات متسارعة، وصوت كعبي يتردد على الأرضية الرخامية مثل دقات ساعة تقترب من لحظة الصفر. كان بيومى يسير إلى جواري، ممسكاً بحقيبته الجلدية التي تحوي أوراق خلاصنا.
عند نهاية الممر، أمام الغرفة رقم 402، كان هناك أمين شرطة يجلس على مقعد خشبي. بمجرد أن رآنا، وقف وسمح لنا بالدخول.
فتحت الباب ببطء. كانت الغرفة شبه مظلمة، يضيئها فقط مؤشر الأجهزة الطبية وصوت نبضاتها الرتيبة. على السرير، كانت ترقد ياسمين. بدت ضئيلة جداً، وكأن الشهور الأربعة عشر الماضية قد امتصت نضارتها وجعلتها هشة كرقاقة عجين. كان هناك ضماد طبي يلف معصمها الأيسرأثر شظايا الطاولة الزجاجية التي قلبتها لتنقذني.
ياسمين... همستُ، وانفجرت الدموع التي حبستها لسنوات.
فتحت عينيها ببطء، ولمحت في وجهي ذلك الفستان الأخضر الزمردي الذي ارتديته من أجلها. حاولت الابتسام، وامتدت يدها المرتجفة نحوي ماما... أنا آسفة. أجبروني.. شريف كان هيموتني لو ما كلمتكيش.
ارتميت في حضنها، أشم رائحتها التي افتقدتها ل 425 يوماً. اششش، متقوليش حاجة يا قلب ماما. كابوس وانتهى. شريف وراه القضبان ومفيش مخلوق هيلمسك تاني.
الفصل السابع خيوط العنكبوت تتفكك
التفت بيومى نحو ياسمين، وأخرج من حقيبته جهاز تسجيل صغير وبعض الأوراق. ياسمين، حمد الله على سلامتك يا بنتي. النيابة هتيجي تاخد أقوالك رسمياً الصبح، ولازم نكون جاهزين. شريف دلوقتي بيحاول ينكر، وبيقول إن اللي حصل امبارح كان مجرد خلاف أسري، وإنك وقعتِ على التنازلات بكامل إرادتك.
نظرت ياسمين إلى بيومى، وتحولت نظرة الضعف في عينيها فجأة إلى نظرة فولاذية أورثتها إياها المحنة. مش هيقدر ينكر يا متر. شريف كان فاكر إنه ذكي، بس هو نسى إني مهندسة برمجيات.
اعتدلت ياسمين في فراشها بصعوبة، وتابعت البيت كله متراقب بكاميرات مخفية هو اللي زرعها عشان يراقبني. بس اللي ميعرفهوش، إني قبل ما يقطع عني الإنترنت ويصادر تليفوني من شهور، قدرت أعمل اختراق لنظام السيرفر الداخلي للبيت، وربطت الكاميرات دي بحساب سحابي Cloud مشفر ميعرفش عنه حاجة. كل دقيقة عشتها في الجحيم ده.. كل تهديد، كل ضربة، وتفاصيل مؤامرة امبارح بالصوت والصورة... كلها متسجلة هناك.
اتسعت عينا بنيامين وارتسمت على وجهه ابتسامة انتصار عريضة ده مش مجرد دليل يا ياسمين... ده حبل المشنقة اللي شريف لفّه حوالين رقبته بنفسه!
الفصل الثامن الثمن المفاجئ
بينما كنا نرتب أوراقنا، اهتز هاتف بيومى رد بسرعة، وتحول وجهه فجأة إلى الشحوب وهو يستمع للطرف الآخر. أغلق الخط ونظر إليّ بنظرة غامضة.
في إيه ؟ سألته بقلق.
الشرطة فتشوا مكتب شريف في شركة العقارات بتاعته بناءً على البلاغ امبارح، قال بيومى وهو يبتلع ريقه، لقوا خزنة سرية ورا اللوحة اللي في مكتبه. مكنش فيها بس فلوس مختلسة وأوراق النصب... لقوا عقود بيع مسجلة لبيتك القديم، وفيلا الساحل، وأسهمك في البورصة.
قطبت حاجبي عقود؟ بس أنا ممضيتش على حاجة!
هز رأسه بأسف عارف يا هدى. العقود دي ممضية باسمك، وتزوير التوقيع احترافي لدرجة متطلعش غير من حد حافظ خطك وعارف كل تفاصيل حياتك... شريف مكنش شغال لوحده. كان معاه شريك من جوه العائلة، حد وثقتِ فيه وسلمتيه كل أسرارك.
تجمّع الدم في عروقي، وشعرت ببرودة تجتاح أطرافي وأنا أربط الخيوط ببعضها. مستحيل... همستُ، والاسم يتردد في عقلي كالصاعقة.
الفصل التاسع الحصاد المر
في صباح اليوم التالي، كنا في مكتب النائب العام بدار القضاء العالي. تم استدعاء الشخص الذي كشفت الأوراق المكتشفة تورطه.
دخلت نجوىأختي الشقيقة، وخال ياسمينإلى الغرفة والكلابشات الحديدية تحيط بمعصميها. كانت تبكي بهستيرية، وتحاول تبرير موقفها أنا أسفة يا هدى! شريف هددني.. كان هيفضحني بملفات قديمة.. مكنتش أعرف إنه هيوصل لإيذاء ياسمين!
نظرتُ إليها بنظرة فارغة، خالية من أي عاطفة. الخيانة لما بتيجي من أقرب الناس، بتقتل أي مكان للرحمة في القلب. أنتِ مبعتيش أختك وبس يا نجوى، أنتِ بعتِ البنت اللي كنتِ بتقولي عليها بنتك التانية.. عشان شوية فلوس.
التفتُّ إلى وكيل النيابة وقلت بثبات أنا بطالب بتوقيع أقصى عقوبة على شريف، وعلى أي حد ساعده، مهما كانت صلة القرابة.
الخاتمة شروق جديد بعد العاصفة
بعد مرور ستة أشهر...
كنا نجلس أنا وياسمين في شرفة شقتنا الجديدة المطلة على النيل بالزمالك. الشمس الدافئة كانت تداعب وجهها الذي استرد نضارته وابتسامته الجميلة. أم صابرين كانت في المطبخ تحضر لنا القهوة بصوت مبهج، بعد أن أصبحت فرداً أساسياً من عائلتنا الصغيرة تقديراً لشجاعتها.
شريف وصبيانه، ومعهم نجوى، صدرت ضدهم أحكام مشددة بالسجن والأشغال الشاقة بتهم احتجاز الحرية، والتزوير، والشروع في النصب والابتزاز.
أمسكت ياسمين بيدي، ونظرت إلى النيل تعرفي يا ماما؟ الفستان الأخضر الزمردي اللي لبستيه يومها... كان هو الأمل الوحيد اللي خلاني أقاوم وأنا شيفاه من الشباك. كنت عارفة إن طول ما أنتِ موجودة، الجحيم ده لازم ينتهي.
ابتسمتُ وضغطت على يدها بقوة، ونظرت إلى السماء الصافية. لقد مررنا بالعاصفة، وتحطمت الحصون الزجاجية، لكننا خرجنا منها أقوى. لم نعد نلتفت إلى الوراء، فالمستقبل أمامنا، ونحن معاً... ولن يقوى أي صياد أو مفترس على كسرنا مجدداً.