بعد سنة كاملة من القطيعة بينى وبين بنتى ،فاجأتني ابنتي فجأة بدعوة على العشاء
بعد سنة كاملة من القطيعة بينى وبين بنتى ،فاجأتني ابنتي فجأة بدعوة على العشاء، وأصرّت على أنها تريد الصلح وتصفية النفوس. شعرت براحة لا توصف تنبض في قلبي، ولم أضيع ثانية واحدة؛ ركبت سيارتي وانطلقت مباشرة إلى منزلها. لكن، وقبل أن تطأ قدمي عتبة الباب الأمامي، اندفعت نحوي الخادمة، وأمسكت بذراعي بقوة، وهمست في أذني بصوت يرتجف رعباً أرجوكِ لا تدخلي.. ارحلي من هنا فوراً!. تملكني رعب شديد من نظرة الهلع المستقرة في عينيها، فتراجعت إلى سيارتي وعدت بها إلى الخلف، ثم وقفت أراقب المنزل من بعيد في أول الشارع. بعد خمس دقائق فقط، شق سكون الليل صوت سرينة تصرخ، واقتحمت ثلاث سيارات شرطة وسيارة إسعاف الممر المؤدي للمنزل بعجلات هادرة...
أربعة عشر شهراً. 425 يوماً من الصمت القاتل المطلق. كل ذرة أمل بداخلي كانت قد تجمدت واختفت منذ أن اختفت ياسمينابنتي الوحيدة، شمس حياتي وقمرهادون أن تنطق بكلمة واحدة. وظل الوضع هكذا حتى الليلة، عندما اهتز الهاتف في الظلام، ممزقاً سكون الغرفة
ماما، ممكن نتعشى مع بعض يوم الثلاثاء؟ وحشتيني أوي.
عشر كلمات. كانت هذه الكلمات العشر كافية لهدم كل الحصون والدروع الواقية التي بنيتها حول قلبي طوال فترة غيابها. جلست في فراشي، وصدرى يضيق بأنفاسي. هل هذا حقيقي؟ أم أنها مجرد هلاوس امرأة وحيدة دفعها الشوق والخذلان إلى حافة الجنون؟
استعددت لهذا اللقاء وكأنني جندي يستعد لمعركته الأخيرة. اخترت الفستان الحريري الأخضر الزمردي الذي أهدته لي في عيد ميلادي السابع والخمسينآخر مرة ضحكنا فيها معاً من قلوبنا حتى آلمتنا جوانبنا. كنت أريد أن أبدو متألقة، قوية، وأن أكون السند والمرساة التي تحميها، فالواضح أنها كانت بحاجة شديدة إليّ.
ولكن، في اللحظة التي صففت فيها سيارتي خارج قصرها الفاخر المبني من الزجاج والصلب في حي التجمع، انشق ظل عن الجدار الصخري للمنزل. لقد كانت أم صابرين، خادمة ياسمين الوفية. لم تكن ترتدي زي الخدمة المعتاد، وكان وجهها عبارة عن قناع من الرعب الخالص. لم تكن تمشي، بل كانت تركض نحوي وهي تلتفت بذعر نحو النوافذ المظلمة في الطابق العلوي.
ست هدى! هستست أم صابرين وهي تغرس أصابعها في ذراعي بقوة مفاجئة لم أعهدها فيها، مش لازم تفضلي هنا. لازم تمشي فوراً! حالا!
في إيه يا أم صابرين؟ مالك؟ ياسمين هي اللي عزمتني على العشاء
قاطعتني أم صابرين وأنفاسها تتعثر في حلقها لأ! ده فخ. هو مستني جوه.. هما مستنيينك! لو دخلتي البيت ده، مش هتخرجي منه زي ما دخلتي. أرجوكي، عشان خاطر ربنا، اركبي عربيتك وامشي!
تراجعت إلى الخلف وأنا أشخص ببصري نحو المنزل. أُشعل ضوء وحيد في غرفة الطعام، لكنه بدلاً من أن يبعث الدفء والترحيب بلم الشمل، بدا وكأنه العين الباردة لحيوان مفترس يبحث عن طريدته.
لم أرحل. بل تراجعت بسيارتي إلى الظلال تحت شجرة صفصاف قريبة، وأخرجت منظاراً كنت أحتفظ به، وبدأت أراقب. كانت ستارة المسرح تفتح على كابوس حقيقي.
ظهر شريفزوج ابنتي، صاحب الابتسامة الباردة كالثلجوبرفقته رجلان غريبان يرتديان بدلاً سوداء أنيقة. لم يضعوا طعاماً على الطاولة، بل نشروا أوراقاً وقوانين ووثائق رسمية سميكة، أوراقاً تفوح منها رائحة المؤامرات والخراب المالي. ثم ظهرت ياسمين، كانت تبدو ضئيلة الحجم، شاحبة الوجه، وكأنها عروس مانيكان تتحرك بخيوط. وضع شريف يده على كتفها، وحتى من مسافتي البعيدة هذه، رأيتها تنتفض جراء لمستهانتفاضة حيوان حُوصر في زاوية ضيقة.
اشتدت قبضة شريف على كتفها حتى ابيضت مفصل أصابعه. كانت ياسمين تمسك بالقلم، وتوقيعها يرتجف وهي توقع الورقة تلو الأخرى. لقد كانت عملية بيع وشراء، تجارة بالبشر، حصاد لجسد وحياة. وعلمت غريزياً، في تلك اللحظة، أن الهدف النهائي لعقد الموت هذا... هو أنا.
فجأة، اهتز هاتفي مرة أخرى. كانت رسالة نصية من رقم مجهول، مكتوب في نهايتها أنها ستتمسح ذاتياً بمجرد قراءتها
القهوة اللي في موقف الأوتوبيسات الرئيسي. بكرة الساعة 1 الظهر. تعالي لوحدك. أوعي تروحي بيتك. هما بدأوا يدوروا عليكي فعلاً.
الفصل الثالث الوثائق الملطخة بالدماء
لم تكن ابنتي ياسمين التي أعرفها؛ كانت أشبه بجثة تتحرك ببطء، منزوعة الإرادة. جلست على كرسيها الخشبي الفاخر ورأسها منكس، بينما قام الرجل الغريب بفتح الحقيبة الجلدية الثقيلة، مخرجاً منها رزمًا من الأوراق الرسمية ذات الأختام الحمراء. انحنى شريف فوقها، واضعاً القلم بين أصابعها المرتجفة. رأيتها تتردد، فما كان منه إلا أن مال على أذنها وهمس بكلمات بدت لي كأنها سمٌّ زعاف، قبل أن يضغط على كتفها بقوة كادت تحطم عظامها.
وقّعت ياسمين. ورقة تلو الأخرى، وهي تبكي بصمت، ولم يكن هذا العشاء إلا مسرحية لاستدراجي أنا. فالأوراق التي وقعتها كانت تتطلب توقيعي كشاهدة أولى، أو ربما كطرف يتنازل عن كل ما يملك أملاكي، ثروتي، وإرث عائلتي الذي طالما طمع فيه شريف.
فجأة، انقطع المشهد الدرامي داخل الغرفة. فتحت ياسمين فمها لتصرخ، وبحركة سريعة وغير متوقعة، قلبت طاولة الطعام الزجاجية بما عليها. تحطم كل شيء، وتناثرت الشظايا في أرجاء الغرفة. رأيت شريف يندفع نحوها بوحشية، والرجالان يحاولان السيطرة عليها. انطفأت الأنوار فجأة وعمّ الظلام والشرر.
لم تمضِ خمس دقائق حتى شق سكون الحي الهادئ صوت سرينات الشرطة. ثلاث سيارات دورية وسيارة إسعاف اقتحمت الممر بسرعة جنونية، ليتضح لي أن أم صابرين لم تحذرني أنا فقط، بل قامت بطلب النجدة قبل أن يفتكوا بياسمين.
الفصل الرابع في قلب محطة السكك الحديدية
لم أعد إلى منزلي في ذلك المساء. قضيت الليل بطوله أنتقل بسيارتي من مكان إلى آخر، والخوف ينهش عقلي. وفي تمام الساعة الواحدة من ظهر اليوم التالي، كنت أقف في قلب محطة مصر الصاخبة بوسط القاهرة، حيث تتداخل أصوات القطارات مع نداءات الباعة وحركة المسافرين المستمرة.
دلفت إلى المقهى الشعبي الصغير الواقع في نهاية رصيف المحطة الرئيسي، وجلست في زاوية مظلمة أراقب المارة، حتى اقترب مني شخص يرتدي معطفاً طويلاً وقبعة تخفي ملامحه. جلس أمامي دون مقدمات، ونزع نظارته الشمسية.
لقد كان بيومى، محامي العائلة القديم وصديق عمري المقرب.
حمد لله على سلامتك يا هدى، همس بنيامين وعيناه تدوران في المكان بحذر، لو كنتِ دخلتِ البيت ده امبارح، كنتِ زمانك بتمضي على قرار حجر طبي على نفسك، أو بتتنازلي عن كل شبر تملكيه لشريف وعصابته تحت التهديد.
بيومى! إيه اللي بيحصل؟ وياسمين فين؟ سألته ودموعي تنهمر.
أمسك يدي لتهدئتي وقال بصوت خفيض شريف غارق في ديون بالملايين لجهات مشبوهة، وكان محتاج ثروتك بأي تمن لإنقاذ رقابهم. ياسمين كانت محبوسة وممنوعة من الاتصال بيكي طول ال 14 شهر اللي فاتوا، وتحت التهديد أجبروها تبعتلك الرسالة. لكن ياسمين ذكية، لما قلبت التربيزة امبارح، كانت بتدّي فرصة لأم