"في ليلة دخلتي، جوزي لبسني ألماظ بمليون جنيه، . وبعد ساعتين بالظبط، رماني في أوضة ضلمة وقفل عليا بالمفتاح من برة!

لمحة نيوز

البيت يعملوا الغدا.
آية استغلت الفرصة وجريت على المكتبة.
الأوضة كانت ضخمة، حيطانها كلها خشب غامق، وفيها لوحات لجدود عيلة المنشاوي باصين عليها كأنهم قضاة بيحكموا عليها بالإعدام.
وقفت في نفس المكان اللي بتسمع منه الصوت.
ورا رف الكتب الكبير، حست إن الهوا مكتوم.. ورطب.. وفيه ريحة غريبة.. ريحة بارفان حريمي قديم بس خنقته الرطوبة.
فضلت تمشي إيدها على الخشب.. تضغط هنا وهنا.. مفيش فايدة.
وهي بتلف، غويشتها خبطت في مقبض نحاس على شكل رأس أسد مستخبي ورا الكتب.
فجأة سمعت صوت تكة جامدة!
الدولاب الخشب الكبير بتاع الكتب اتهز.. واتحرك لورا ببطء.. وفتح كأنه باب!
ورا الدولاب ظهر ممر ضيق ومظلم.. خرجت منه ريحة تراب وغموض تخلي الركب تخبط في بعضها.
كان المفروض تخاف وتجري.. تتصل بأبوها.. تطلب الشرطة.
بس في اللحظة دي، سمعت صوت همس ضعيف جاي من جوة الضلمة هو فيه حد برة؟
آية جسمها نمل ومبقتش حاسة برجليها.. أخدت خطوة جوة الممر وقالت بصوت ميرعش أنتِ مين؟
الصوت رد عليها وهو بيعيط وشهقاته طالعة بالعافية أرجوكِ.. قوليلي إنك حقيقية.. أنا مش مصدقة إن فيه بني آدم هنا.
آية مشيت جوة الممر لحد ما وصلت لآخرة.. لقت باب حديد قاسي جداً، وفيه فتحة صغيرة مربعة متغطية بحتة قماش وسخة، ومقفول من برة بقفل كبير وجديد وضخم.
ومن ورا الباب، سمعت صوت خروشة سلاسل حديد بتتحرك.
آية حطت إيدها على بقها عشان متصرخش أنتِ مين ومحبوسة هنا ليه؟
الست اللي جوة ضحكت ضحكة كلها وجع وكسرة وقالت محبوسة عشان جوزك المحترم مبيحبش يسيب حاجة ملكه تضيع منه حتى لو مبقاش عايزها.
آية صوابعها اتكلبشت في الحديد جوزي أنا؟! رامي؟
في اللحظة دي، حتة القماش اتحركت من ورا الفتحة.. وظهرت عين.. عين حمراء دم من كتر العياط، ومذعورة بس صاحية.
الست همست وقالتلها أنتِ آية.. صح؟
آية نفسها اتقطع أنتِ عرفتي اسمي منين؟!
الست قربت بوشها من الفتحة أوي، وقالت الجملة اللي شلت تفكير آية ووقعت السقف فوق دماغها
عشان رامي قبل ما يقفل عليا الباب ده بالجنازير، بص في عيني وقال لي إنه رايح يتجوزك أنتِ.. أنا مراته الأولانية اللي اتجوزها قبلك وياما اتفسحت معاه في نفس الصالة اللي أنتِ قاعدة فيها!
آية حسيت إن الأرض بتلف بيها، ومبقتش عارفة تتنفس.
الغوايش الدهب اللي في إيدها حسيت فجأة إنها كلابشات، والمكياج والفستان الأبيض بقوا كأنهم كفن.. والشبكة الألماظ اللي في رقبتها بقت أتقل من حجر الصوان، أتقل من كل كذبة اتقالت تحت سقف الفيلا الملعونة دي.
قالت بصوت مخنوق وبتترعش لأ.. لأ مش ممكن.. أنتِ أكيد بتتبلي عليه!
نادية طلعت ضحكة مكسورة كلها وجع كنت بقول لنفسي كدة برضه.. أول ما جابني ورماني هنا.
آية رجعت خطوتين لورا، وضهرها خبط في الحيطة المرطبة بتاعة الممر أنتِ كدابة.. رامي مقاليش حاجة، ومحدش جاب سيرة!
نادية صوتها شرخ من العياط ومحدش هيقولك.. رامي مبيقولش حاجة غير للناس اللي بايعين ضميرهم وضامنين إنهم يسكتوا.
آية قربت تاني وهي بتموت من الرعب، ومسكت في حديد الفتحة هو اتجوزك إمتى؟
من أربع سنين.
الكلمة نزلت على دماغ آية زي الكرباج.
أربع سنين!
أربع سنين قبل الفرح الأسطوري وال 700 بني آدم.. قبل المعازيم والكاميرات والمباركات.. قبل ما أمها تبكي من الفرحة وتقولها أنتِ طاقة القدر اتفتحتلك.
أربع سنين وهي عايشة في وهم، مع راجل متجوز أصلاً، وحابس مراته الأولى ورا حيطة المكتبة!
آية بلعت صرختها بالعافية وقالتلها طب وأهلِك؟ فين أبوكِ وأمك؟ مرحتيش للشرطة ليه؟
نادية اختفت من الفتحة، وسامعت آية صوت خروشة سلاسل خفيفة، وبعدين وشها ظهر تاني.. وشها كان دبلان وأصفر، وشعرها منكوش ومتبهدل
أمي وأبويا ماتوا.. وأخويا لما حاول يدور عليا ويجي البيت هنا، رامي ورجالته فهموه إني هربت مع راجل تاني وسافرت برة مصر.. وبعدها بأسبوع أخويا نفسه اختفى من القاهرة كلها ومحدش يعرفله طريق.
الدم هرب من عروق آية.. والظلمة اللي حواليها بقت كأنها بتتحرك وبتراقبها.
قالت بلخبطة أنا.. أنا لازم أخرجك من هنا حالا!
نادية صرخت بهمس مرعوب لأ! مش دلوقتي.. بلاش غباء!
يعني إيه؟ هسيبك؟
اسمعيني كويس.. الصالة الكبيرة والممرات برة مليانة كاميرات مراقبة.. هنا مفيش، بس برا المكتبة فيه. لو شافونا خارجين سوا، هنتموت إحنا الاتنين قبل ما نوصل لبوابة الفيلا برة.
آية بؤها اتفتح من الصدمة.. نموت؟
الكلمة دي مكانتش راكبة خالص مع قصر المنشاوي الشيك، والصواني الفضة، والخدم، وريحة العود والبخور الغالي.. بس السلاسل والبيت ده مكنش راكب معاهم هم كمان!
نادية ريحت راسها على الباب الحديد وقالت لازم المفتاح.. رامي معاه نسخة في جيبه علطول.. وأمه معاها النسخة التانية.
آية افتكرت شكل حماتها الصبح.. صوابعها المليانة ألماظ، وضحكتها الصفرا، والكلام المسموم اللي قالته بنات عيلة المنشاوي مبيسألوش كتير.
دلوقتي بس آية عرفت هي مكانتش عايزاها تسأل ليه!
همست آية والدموع مغرقة عينها يعني أمه عارفة؟
نادية ضحكت تاني ضحكة ميتة عارفة؟ دي هي اللي اختارت الأوضة دي بالذات عشان محدش يسمعني!
آية حطت إيدها على بؤها وعيطت.. مكانتش بتعيط عشان جوزها ملمسهاش، ولا عشان اتهانت، ولا عشان أحلامها ضاعت.. كانت بتعيط عشان فيه ست تانية كانت بتتنفس الضلمة والموت بقالها سنين، والناس برة بيمجدوا في العيلة اللي دفناها صاحية!
نادية طلعت إيدها من الفتحة الصغيرة.. صوابعها كانت رفيعة جداً وزرقاء من الضرب، وفي معصمها خيط أحمر دايب.
آية مسكت إيدها.. كانت دافية.. حقيقية.. وصاحية.
سألتها وهي مش فاهمة طب هو اتجوزني أنا ليه؟ طالما مش عايزني؟
نادية قفلت صوابعها على إيد آية وقالتلها عشان مجلس إدارة الشركات كان بدأ يسأل.
مجلس إدارة إيه؟
مجموعة فنادق المنشاوي.. جد رامي كان كاتب بند في الوصية بتاعته؛ إن الوريث الوحيد للشركة لازم يتجوز جوازة رسمية، علنية، وقدام المجتمع كله، وإلا الأسهم والفلوس كلها تروح لمؤسسة خيرية.
آية حست بوجع في بطنها كأن حد طعنها يعني أنا مش مراته.. أنا مجرد غطا؟
أنتِ الستارة اللي دارى وراها اللعبة.
آية غمضت عينها.. وشريط الفرح كله عدا قدامها.. الفلاشات، الألعاب النارية، الدهب، الضحك، أبوها وهو بيسلم عليها، وأمها وهي بتبوسها.. ورامي ببروده وهو بيمضي على قسيمة الجواز..
مكتوب كتاب.. مكانش جواز.. ده كان حبل المشنقة اللي بيلفوه حوالين رقبتها.
سألتها طب ليه مطلّقكيش طالما خلص الموضوع؟
نادية سحبت إيدها ببطء عشان خلاني أمضي على ورق من غير ما أعرف هو إيه أول ما اتجوزنا.. ورق بيشيل أسهم وعقارات باسمي، جده كان بيحبني وكتبلي حاجات كتير.. رامي وأمه محتاجين إمضتي عشان يبيعوا كل ده ويحطوا الفلوس برة مصر.. وأنا رفضت أول ما عرفت هما عملوا إيه.
عملوا إيه؟
عيني نادية اتملت بنظرة ألعن من الرعب موتوا أبوه.. الحاج عادل المنشاوي.
آية اتسمرت مكانها.. والسكوت بقى تقيل لدرجة إن الحيطة نفسها مكانتش بتتنفس.
نادية.. أنتِ بتقولي إيه؟
نادية همست سمعتهم بعيني ووداني ليلة كاملة بيتخانقوا.. الحاج عادل كان عايز يبلغ عن غسيل أموال وتجارة مشبوهة رامي بيعملها في الفنادق.. قالهم ههد اسم المنشاوي ولا إني أشوف ابني ومراتي بيعملوا شبكة عصابات.. الصبح طلع، وقالوا الحاج عادل جاتله أزمة قلبية ومات!
آية افتكرت الصورة الكبيرة المبروزة للحاج عادل المحطوطة في صالة الأكل.. والورد اللي رامي بيغيره تحتها كل يوم اتنين وهو واقف بكل خشوع كأنه الابن البار..
بطنها قلبت وحست إنها هترجع.
نادية كملت أنا كان معايا الدليل.. تسجيلات وورق وصور للحسابات.. وشلتهم في مكان مستخبي.
فين؟
وقبل ما نادية تنطق بالسر.. سمعوا صوت جاي من برة المكتبة.
صوت باب.. بيتأفل.
آية اتخضت.. والممر كله بقى هسس.
وبعدين.. سمعت صوت خطوات رجالي.. بطيئة.. وموزونة.. وبتقرب ناحيتهم!
نادية وشها اختفى من الفتحة فوراً وسحبت نفسها.
آية لفت حوالين نفسها برعب.. مفيش مكان تستخبى فيه غير الضلمة.. رجعت لورا وظهرها لزق في الحيطة، وسحبت طرحة الفرح البيضاء عشان تداري فستانها. قلبها كان بيدق زي الرعد، لدرجة كانت فاكرة إن اللي داخل هيسمعه.
مدخل المكتبة السري كان لسه مفتوح..
ودخل خط نور أصفر جوة الممر..
وبعدين.. جاء صوت رامي وهو بينادي بنعومة
آية؟
جسمها كله اتجمد.
يا حبيبتي.. رامي كان بيتكلم بصوت هادي وحنين أوي المكان ده مش بتاعك.. ومينفعش تقفي فيه.
آية حطت إيدها على بؤها عشان متصرخش..
يا حبيبتي!
عمرها ما سمعت الكلمة دي منه.. لا في الفرح، ولا في ليلتهم، ولا قدام الناس..
بيقولها دلوقتي بس.. في الضلمة.. وجنب الست اللي دفنها حية!
ودخل رامي الممر..
كان قلع جاكيت البدلة، ومشمّر كمام قميصه الأبيض لحد كوعه.. خاتم عيلته الدهب كان بيلمع مع خط النور.. وفي إيده اليمين.. كان ماسك مفتاح نحاس صغير!

تم نسخ الرابط