ليلة تكريمي وخروجي على المعاش، جوزي حضرلي مفاجأة قدام كل الناس... بس المفاجأة دي كانت كفيلة تدمرني في ثانية
بعد مواعيد الشغل الرسمية. كلمت تلات أقسام بنفسها. فضلت قاعدة جنبي وأنا بعيط وبشرب قهوة ومتبهدلة، وقالت لي جملة مش هنساها احنا هنمشي في الورق ده سطر سطر لحد ما نفهمه سوا وحقك يرجعلك.
حطيت إيدي على بوقي تاني وبدأت أعيط.. بس المرة دي دموع فخر مش انكسار.
صوت كريمة اتهز وهي بتقول فهمتني إيه اللي ليا وعرفتني أحارب عشانه ازاي. وبسببها، أنا بقيت بعد كده متطوعة لمساعدة الأسر اللي بتمر بنفس الأزمة واللخبطة دي.
وبعدين قالت جملة هزت القاعة فيه وظايف متبانش إنها مهمة.. لحد ما ييجي اليوم اللي تحتاج فيه البني آدم اللي شغالها.. مدام ميرفت كانت مهمة وغالية عليا من زمان قوي قبل الليلة دي.
دموعي نزلت.. مش عشان رأفت حاول يهيني، لأ.. عشان اكتشفت إني سبته يحدد قيمتي ويتحكم في حياتي لوقت طويل قوي.
المواجهة في الجراج
الأستاذ شاكر سلمني المايك.
لثانية واحدة قولت لنفسي أنا مش هقدر أتكلم.
بس بصيت ل رأفت؛ كان قاعد خشب في كرسيه، قورت وشه مشدودة، وعينيه مثبتة عليا كأنه لسه مستني إني أتهز أو أصغر قدامه.
وفجأة، ملقيتش عندي أي رغبة في الهروب.
أخدت المايك.
صوتي اتهز في الأول دي مش الكلمة اللي كنت مجهزة نفسي أقولها الليلة دي.
ناس ضحكت بهدوء في القاعة.
خدت نفس طويل مدام كريمة.. شكراً ليكي. وأه، أنا فاكرة القهوة دي كويس، كانت أسوأ من قهوة مكتبنا بكتير، ومكنتش فاكرة إن فيه أوحش من قهوتنا صراحة!
الناس ضحكت من قلبها، وحسيت إن حمل من على كتافي انزاح.
كملت أنا بقيت عمري كله بشرح للناس حاجات كانوا بيكسفوا يسألوا فيها. بوالص، تعويضات، مواعيد، كلام معقد كان المفروض يكون بسيط ومكنش.. كنت فاكرة إني مجرد بعمل شغلي.
بصيت حوالين القاعة النهاردة أنا عرفت إنك تساعد الناس تفهم حقوقها وتطمنهم وهم خايفين وتايهين، دي مش حاجة صغيرة.. دي حاجة كبيرة ومهمة جداً.
وضفت أول ورشة عمل للبرنامج الجديد هتكون الشهر الجاي في مسرح الشركة هنا، والدعوة عامة ومفتوحة للجمهور. اللي عنده أهالي كبار في السن، اللي عنده ورق معقد مش فاهمه، اللي عنده مشروع صغير، أو بوليصة تأمين شايلها على جنب عشان بتجيب له صداع.. تعالوا، وهاتوا كل أسئلتكم معاكم.
الناس كلها وقفت تصقف بحرارة.
وفي ثانية، محاولة رأفت إنه يكسرني ويفضحني، بقت هي الإعلان الرسمي والبداية لأكبر خطوة في مستقبلي.
بعد الحفلة، لحقني على جراج العربيات.
كنت واقفة جنب عربيتي وبحاول أهدي نفسي لما لقيت صوته بيقول ميرفت.. استني.
لفيت وبصيت له.
وشه مكنش عليه أي علامات انتصار.. كان باين عليه الغضب واللخبطة.
وقال لي إنتي سيبتيهم يهينوني ويزلوني قدام الناس!
ضحكت بسخرية إنت أعلنت طلاقنا في وسط حفلة تكريمي يا رأفت!
مسح وشه بإيده، وبص للأرض لثانية، وبعدين نطق الحقيقة اللي جواه لأول مرة
مكنتش قادر أستحمل.
سكت ومردتش.
طريقتهم وهم بيبصوا لك جوه.. التصقيف.. الحكايات والقصص.. بلع ريقه وكمل مكنتش قادر أشوف الناس بتتعامل معاكي على إنك حد مهم وشخصية ليها قيمة.
الموضوع مكنش سوء تفاهم، ولا هزار تقيل.. كان غيرة وغل أعمى.
بصيت في عينه وقولتله بثقة أنا فعلاً حد مهم يا رأفت.
اتأثر بالكلمة والدموية هربت من وشه.
قال بصوت واطي ومكسور أنا حسيت إني مش مرئي.. ماليش وجود.
قولتله إنت خلطت بين إنك تكون محبوب، وبين إنك تكون دايماً محور الكون والكل بيلف حواليك.
بص لي كأنه أول مرة في حياته يسمعني بتكلم بالطريقة دي.. ويمكن فعلاً دي كانت أول مرة.
فتحت باب عربيتي.
قال لي ميرفت.. متعمليش كده.
رديت إنت اللي عملت خلاص.
البداية الجديدة
رويت لبيت صاحبتي إلهام. فتحت لي الباب، وبصت في وشي وقالت علطول فيه إيه؟ حصل إيه؟
قولتلها عندك مكان ليا الليلة دي؟
شدتني لجوه وقالت البيت بيتك طبعاً.
تاني يوم الصبح، جهزت شنطة هدوم صغيرة، وقابلت محامي، وأكدت جدول المواعيد للبرنامج الجديد مع الأستاذ شاكر، وكلمت مدام كريمة عشان أطلب منها تكون المتحدثة في أول جلسة.. ووافقت من قبل ما أكمل السؤال.
على ما الوقت ده جه، كنت أنا ورأفت انفصلنا، وإجراءات الطلاق بدأت رسمي.
بعد كام أسبوع، عملنا أول ورشة عمل.
المسرح كان مليان على آخره. ناس كبار في السن معاهم ملفات ورق، شباب جايين يكتبوا ملاحظات عشان يساعدوا أهاليهم، أصحاب محلات وورش صغيرة، وست أرملة قاعدة في الصف الأول، وجوزين شباب شكلهم كان خايف يسأل أي سؤال.
وقفت في الوش، المايك متعلق في قميصي والورق في إيدي.
وكنت حاسة بثبات رهيب. ده مكنش شو أو منظرة.. ده الشغل اللي أنا بفهم فيه وبعيش بيه.
وفي نص الشرح عن بند تحديد المستفيدين، لمحت رأفت قاعد في آخر صف ورا.
افتكرت ساعتها جملتي الدعوة عامة ومفتوحة للجمهور.
طبعاً جه.. جايز كان فيه جزء جواه مستني إني اتهز أو اعطل لما أشوفه. بس ده محصلش.
راجل في الصف التاني رفع إيده وقال أنا معايا البوليصة دي من عشر سنين، وعمري ما حد شرحلي إجراءات الاستئناف دي بلغة يفهمها البني آدمين العاديين.
قولتله بابتسامة يبقا نشرحها سوا دلوقتي حالا.
بعد الورشة، الناس فضلت قاعدة عشان تسأل. وده كان أحلى جزء في اليوم.
واحدة طلبت كارتي عشان أختها، واحد سجل اسمه عشان يتطوع في الورشة الجاية، وراجل سلم عليا وقال يا ريتني قابلت حد يشرحلي كده من عشر سنين فاتوا.
لما القاعة بدأت تفضي تماماً، كان رأفت واقف مستني جنب الباب.
سألني بصوت مكسور إنتي فعلاً مش محتاجاني في حياتك خالص يا ميرفت؟
مكنش فيه أي أثر للغرور أو المنظرة اللي كانت فيه. كان مجرد راجل بيعرف الإجابة بس بعد ما الفأس وقعت في الرأس والوقت فات.
بصيت حواليا في القاعة.. على الناس اللي بتلم ورقها، الكلام الجانبي اللي لسه داير، الستات اللي بيسألوا يسجلوا أساميهم فين للمرة الجاية.
وبعدين بصيت له وقولت أنا كنت محتاجة احترام يا رأفت.. إنت اللي كنت فاكر إن الاحترام ده شيء اختياري.
مردش عليا.
لفيت وضهري ورجعت دخلت القاعة تاني.
مش عشان أدور على تصقيف.. عشان أرجع للشغل اللي بجد.. الشغل اللي ليه قيمة.