ليلة تكريمي وخروجي على المعاش، جوزي حضرلي مفاجأة قدام كل الناس... بس المفاجأة دي كانت كفيلة تدمرني في ثانية

لمحة نيوز

ليلة تكريمي وخروجي على المعاش، جوزي حضرلي مفاجأة قدام كل الناس... بس المفاجأة دي كانت كفيلة تدمرني في ثانية 
مش هسكت تاني
كان المفروض أطلع على المعاش بتورتة، وكلمتين حلوين، وابتسامة هادية في وش الراجل اللي قضى سنين حياته يقلل من شغلي وقيمتي. لكن جوزي وقف في وسط قاعة مليانة بزمايلي في الشغل، وقرر يخلي الليلة دي تنتهي بشكل تاني خالص.
كان عندي 64 سنة الليلة اللي الشركة عملتلي فيها حفلة تكريم بمناسبة خروجي على المعاش. كنت فاكرة إن أصعب حاجة في الليلة دي هي إني أتمالك نفسي وما أعيطش وأنا بسمع كلمات الوداع.
قضيت 35 سنة من عمري في نفس شركة التأمين الوطنية. بدأت زمان ك موظفة استقبال، كنت لابسة جاكيت مستلفاه وجزمة رخيصة كانت بتوجع رجلي قبل ما ييجي وقت الغدا. وعلى ما وصلت لسن المعاش، كنت بقيت كبير منسقي العمليات. مكنش منصب رنان ولا كنت رئيسة مجلس إدارة، بس لما كان فيه طلب تعويض يقف، أو فرع من فروع الشركة يبرجل الدنيا، أو عميل مش فاهم بند في بوليصة التأمين بتاعته، كان الكل بيكلمني أنا.
كنت بعرف أحل المشاكل، وبعرف أشرح للناس التعقيدات من غير ما أحسسهم بالجهل أو الغباء. والموضوع ده كان فارق معايا جداً.
لكن عمره ما كان فارق مع جوزي، رأفت.
رأفت كان دايماً يحب يسمي شغلي وكفاحي ده روتين مكاتب. كان بيقولها بطريقة تخلي العمر كله يبان تافه وصغير، كأني قضيت ال 35 سنة اللي فاتوا برتب مشابك الورق أبجديًّا!
وإحنا في العربية رايحين القاعة، بص على مدخل الفندق، وشاف اليافطة اللي مكتوب عليها اسمي، وقال بتريقة كل الهيصة دي عشان حتة وظيفة مكتبية؟
فاكرة إني ضحكت ببساطة وقلتله دي حفلة معاش يا رأفت، تكريم.
هز كتافه وقال أهو بقول وخلاص.
المفاجأة اللي هزت القاعة
القاعة كانت مليانة على آخرها. زمايل من فروع تانية، ناس من الإدارة العامة، عملاء قدام، وشركاء نجاح، وحتى موظفين قدام استقالوا أو نقلوا وجم مخصوص الليلة دي عشاني.
واحد من المديرين الكبار حضني وقال لي احنا لسه شغالين بالمنظومة اللي إنتي أسستيها سنة 2011 يا مدام ميرفت.
وموظفة من قسم التعويضات قالت أنا دربت تلات موظفين جداد على المذكرات والملخصات بتاعتك.
واحد تاني قال إنتي خليتي المكان ده ينفع يتعاش فيه.
بصيت في المنديل اللي في إيدي عشان كنت حاسة إن دموعي خلاص هتنزل. لأول مرة، ممررتش الكلام كده، سيبت نفسي أحس بيه.. حسيت إن كفاحي اتشاف وتقدّر.
رأفت كان واقف جنبي، حاطط إيد في جيبه، وبيهز راسه بالموافقة كأنه هو اللي عمل النجاح ده معايا.
العشا بدأ، وبعده الكلمات التكريمية. مديرنا الكبير، الأستاذ شاكر، وقف ورا المايك واتكلم عن الثبات، ورجاحة العقل، والأمانة. وقال فيه ناس بتشيل شركات على كتافها من غير ما تطلب لقطة أو شو.. ميرفت عملت كده لسنوات طويلة.
الناس كلها صقفت. وأنا رجعت أبص للمنديل ودموعي بتملى عيني.
في اللحظة دي، رأفت وقف.
مسك المعلقة وفضل يخبط بيها على الكوباية عشان يعمل صوت. الناس ابتسمت بذوق، كانوا فاكرين إنه هيقول كلمتين حلوين في حقي.. وأنا كمان افتكرت كده.
رفع كاس العصير بتاعه وقال بصوت عالي بما إن الكل بيحتفل بالبدايات الجديدة الليلة دي، قولت أعلن أنا كمان عن بدايتي الجديدة.
القاعة كلها سكتت تماماً.
وبعدين كمل وقال أنا قررت أرفع قضايا الطلاق وننفصل.
نفسي اتقطع.
وقبل ما استوعب الصدمة، ضاف وقال يمكن دلوقتي ميرفت تبطل توهم نفسها إن وظيفتها المكتبية الصغيرة دي كانت مخلياها بني آدمة مهمة!
فيه ناس شهقت من الصدمة. وفيه صوت كرسي اتهز على الأرض.
وشي كان بيغلي من الكسوف لدرجة حسيت إني هقع من طولي. وقفت مكاني مبرقة له وهو باصص لي ومبتسم كأنه قال نكتة ذكية وعظيمة.
والأوجع من كل ده، إني عرفت في لحظتها إنه مرتب لكل ده. هو استنى لحد ما الأضواء كلها تكون عليا، عشان يكسرني ويسرق اللحظة دي مني.
رد فعل غير متوقع
وقفت عشان كنت محتاجة أهرب وأمشي قبل ما انهار قدام الناس كلها.
مكنتش مشيت غير كام خطوة، لما لقيت الأستاذ شاكر بيقول بصوت هادي جداً بس حاسم يقعد يا رأفت.. اقعد مكامك.
الكلمة وقفتني.
الأستاذ شاكر رجع ورا المايك تاني، بص ل رأفت وقال إنت دلوقتي هتسمع الجزء اللي في مسيرة ميرفت المهنية اللي عمرك ما كلفت نفسك عناء إنك تسأل عنه.
رأفت طلع منه ضحكة قصيرة مكتومة كأنه بيحاول يستخف بالموقف.. بس قعد.
الأستاذ شاكر ظبط المايك وقال على مدار الشهور اللي فاتت، مجلس الإدارة كان شغال على تطوير برنامج مجتمعي للتوعية التأمينية. البرنامج ده معمول مخصوص لأصحاب المعاشات، الأراميل، أصحاب المشاريع الصغيرة، والعائلات اللي عندها بولايص تأمين بيدفعوا تمنها ومفيش حد فيهم فاهم شروطها ولا حقوقه فيها.
بص حواليه في القاعة وكمل
كنا محتاجين حد يقدر يشرح الحاجات المعقدة دي ببساطة.. حد الناس تثق فيه.. حد باله طويل، واضح، وفاهم الشركة دي من ساسها لراسها.
وبعدين بص لي وقال
احنا بنينا البرنامج ده كله على أساس ميرفت.
أنا تقريبا همست لنفسي يا نهار أبيض.. يا رب.
ابتسم وقال هي وافقت تساعدنا في وضع الخطوط العريضة للبرنامج بعد ما تطلع على المعاش. والنهاردة، بعد ما مجلس الإدارة اعتمد المشروع رسمي، أنا بطلب منها قدامكم كلكم إنها تتولى رئاسة وإدارة البرنامج ده بالكامل.
الكلام ده بدأ يدخل دماغي المصدومة ويفهمني اللي بيحصل؛ أنا فعلاً كنت وافقت أكون مستشارة للمشروع، بس مكنتش أعرف كل التفاصيل دي.
وبعدين قال والبرنامج ده هيحمل اسمها.. برنامج ميرفت للتوعية المجتمعية.
الناس بدأت تصقف بحرارة قبل ما يخلص جملته أصلاً.
بصيت على رأفت.. ملامح وشه اتغيرت تماماً. مكنش غضبان لسه، ولا مكسوف بالمعنى المفهوم.. كان مفرعن ومرعوب.
وأنا فهمت ليه.
رأفت قضى سنين عمره بيحاول يكون حد مهم في البلد والمجتمع. دخل جمعيات، وراح حفلات تبرعات مش فارقة معاه، واتصور، وسلم على ده وده، وفضل يجمع كروت شخصية للناس. كان هيموت ويبان إنه شخصية مرموقة.
ودلوقتي، في جملة واحدة، أنا جالي المنصب والوجاهة الاجتماعية اللي كان طول عمره شايف إنها متليقش غير بحد زيه هو.. الفرق إني مجريتش وراها.. أنا استاهلها وتعبت عشانها.
شهادة من الماضي
الأستاذ شاكر كمل وقال فيه شخص تاني أنا حابب إنكم تسمعوه الليلة دي. هي كان المفروض تتكلم في آخر الحفلة، بس أعتقد ده الوقت المناسب جداً ليها.
ست كانت قاعدة في الصفوف القدامية وقفت وطلعت للمنصة ورا المايك.
خدت ثانيتين عشان أفتكر ملامحها، وبعدين همست مدام كريمة!
ابتسمت لي وقالت أهلاً يا مدام ميرفت.
التفتت للقاعة وقالت جوزي تعب جداً من 8 سنين. الفواتير والمطالبات بدأت تيجي وتتكوم عليا قبل ما أفهم أصلاً التأمين بتاعنا بيغطي إيه. كنت غرقانة في الحزن والمصاريف، وكنت خلاص هسلم وأضيع حقي.
سديت بوقي بإيدي وأنا بفتكرها.. افتكرت الملف اللي كان في حجرها، وإيديها اللي كانت بترتعش، وطريقتها وهي بتعتذر كل شوية عشان بتسأل أسئلة بدائية.
كريمة كملت كنت اتكلمت مع تلات موظفين قبلها، وكل واحد فيهم كان بيقولي كلام عكس التاني. لحد ما بعتوني لمكتب مدام ميرفت.
بصت لي وقالت قعدت معايا

تم نسخ الرابط