"فى يوم كنت رايحة البنك أسحب فلوس زي كل مرة، ماكنتش متخيلة إن اليوم العادي ده هيتحول لكابوس. أول ما وصلت، الموظفة اللي بعرفها من خمس سنين، نظرتلي بنظرة مرعوبة وغريبة، وبصوت واطي وهمستلي: اهربى حالا….
شد وبقى رعد وبرق والدنيا ضلمت خالص والنور قطع في المنطقة كلها. ميار خرجت وقالت أنا هانزل تحت أبص على لوحة المفاتيح والعداد أشوف ماله. أول ما نزلت، أنا قمت بسرعة البرق، جبت شنطة يد صغيرة، ولميت فيها الورق المهم، ودهبي، والفلوس اللي سحبتها وكل قرش في البيت. إيديا كانت بترتعش، بس عقلي كان في قمة صفاءهلو عاوزة أهرب بجد، يبقى هي دي الفرصة والوقت الصح. وفجأة، جه صوت ميار من تحت وهي بتصرخ بهلع ماما! انزلي بسرعة، فيه حاجة غريبة برة!
اتسمرت في مكاني، وعقلي انقسم نصين؛ صوت بيقولي ثقي فيها وانزلي، وصوت تاني بيصرخ في ودني ويقولي اهربي فوراً!
نزلت السلم براحة وأنا ماسكة الشنطة جامد. لقيت ميار واقفة جنب لوحة الكهرباء ووشها أصفر زي الليمونة. في نفس اللحظة، خبط رزع قوي وعنيف بدأ على باب البيت. ميار اتخضت وقالت بصوت مرعوب مين اللي هيجي في المطر والضلمة دي؟
قلت لها بصوت واطي وحاسم م تفتحيش الباب. بس قبل ما نتحرك، جه صوت جهوري من برة بيقول افتحي... المباحث!
قلبي اتقبض، وميار جريت وفتحت الباب. دخل راجلين، واحد لابس بدلة ميري ظابط شرطة والتاني لابس هدوم مدني. الراجل اللي باللبس الميري بصلنا وقال بحدة الحاجة كامليا؟ معانا أمر نستجوبك في كام سؤال. سألته بجمود سؤال بخصوص إيه؟
الراجل اللي بالمدني ابتسم ابتسامة صفرا وعينيه كانت باردة وشريرة وقال بخصوص حركات السحب والمعاملات المالية بتاعة حسابك في البنك.
في الثانية دي، افتكرت نرمين علطول وعرفت اللعبة. قلت لهم بثبات تعالوا بكرة، الدنيا ليل ومطر زي ما أنتوا شايفين. الظابط كمل وقال بنبرة تهديد الموضوع مهم وميتأجلش للصبح، لازم تيجي معانا حالاً. بصيت على ميار، كانت واقفة ساكتة تماماً، مكنش على وشها خوف... كان فيه حاجة تانية أبشع، كان فيه نظرة ذنب وانكسار وعار. بصيت في عينيها مباشرة وقلت لها ميار؟ أنتِ ليكِ يد في ده؟
هربت بعينيها مني ومقدرتش تبص في وشي. الحقيقة المرة كانت واضحة وصريحة في الجو. الراجل المدني قال فيه بلاغ كبير وشكوى تزوير ونصب مالي باسمك، ولازم تتفضلي معانا على القسم. سألته ومين اللي مقدم البلاغ ده؟
رد وقال ببرود أهلك... ناس من عيلتك هما اللي مبلغين.
الأرض لفت بيا ومبقتش حاسة برجلي. أهلي وعيلتي؟ كررت الكلمة وأنا مش مصدقة. وفجأة، ميارانهارت وفضلت تعيط بحرقة وتصرخ سامحيني يا ماما... غصب عني والله، كنت مجبورة!
الراجل المدني وقف وبص لها بنظرة لوم عشان سكتت، وميار بدأت تتكلم وهي بتشهق من العياط؛ كشفت إن أحمد ابني لبس في حيطة ودخل في مشروع مقاولات فاشل وخسر فيه كل حاجة من كام شهر، والديون ركبت فوق دماغه من كل حتةقروض من البنوك، ووصولات أمانة لناس برة، والدائنين كانوا هيحبسوه. ميار كملت وهي بتمسح دموعها لو مكنتش استخدمت حسابك وبيتكم كضمانة عشان نسد وننقذ أحمد، كانوا هيسجنوه ويضيع مستقبله... أنا قلت لنفسي هنصفي الأمور ونرجع كل حاجة بعدين من غير ما تحسي.
في اللحظة دي، حسيت إن فيه حاجة انكسرت جوايا ومستحيل تتصلح؛ الثقة، صلة الرحم، وكل حاجة حلوة. وفجأة، وسط الهيصة دي، الخبط رجع تاني على الباب وبقوة أكبر شرطة! افتحوا الباب فوراً!
المرة دي الصوت كان مختلف تماماً وله هيبة تانية. الراجلين اللي واقفين جوة الميري والمدني وشهم جاب ألوان واترعبوا. الراجل المدني زعق اخلصي هاتي الشنطة وتعالي معانا بسرعة من الباب الوراني!
لكن الباب اتكسر ودخلت قوة من الشرطة الحقيقية، ومعاهم مين؟ نرمين موظفة البنك؛ كانت متبهدلة من المطر، بتنهج وبتعيط، وأول ما دخلت شاورت عليهم وقالت للظابط الحقيقي هما دول يا فندم! دول تشكيل عصابي ونصابين، ودول اللي هددوني في البنك الصبح وغصبوا عليا أعمل عملية السحب!
كل حاجة اتقلبت في ثواني؛ النصابين اللي عاملين نفسهم شرطة حاولوا يجروا ويهربوا، بس رجال الشرطة الحقيقيين حاصروهم وكلبشوهم في مكانهم.
وفي قسم الشرطة، كل الخيوط اتكشفت وبانت الحقيقة كاملة. أحمد ابني فعلاً كان مديون، بس عمره ما فكر ولا رضي إن أمه تتأذى أو يتنصب عليها عشان ينقذ نفسه. الحقيقة إن عيلة ميار أبوها وأخوها هما اللي كانوا طمعانين في بيتي وتحويشة عمري من زمان، ولما عرفوا بأزمة أحمد، استغلوا الموقف وضغطوا على ميار وهددوها، وهما اللي خططوا وجابوا ناس من برا يعملوا اللعبة دي والشرطة المزيفة عشان يقلبوني في الفلوس والبيت ويجبروني أمضي على بيع وشراء تحت التهديد. وميار ضعفت وكسرها الضغط والتهديد من أهلها.
أحمد أول ما عرف باللي حصل، ساب الموقع وجِري في نص الليل على القسم، اترمى في حضني وهو بيبكي زي الأطفال ويقولي سامحيني يا أمي... أنا مش عاوز فلوس ولا عاوز أي حاجة، أهم حاجة أنتِ تكوني بخير وفي أمان.
بعد كام شهر، الهدوء رجع للبيت تاني. ميار اعتذرت لي وطلبت السماح، وقاطعت أهلها تماماً وقصت علاقتها بيهم بعد اللي عملوه. وأحمد باع عربيته وحتة أرض صغيرة كان شاريها عشان يسدد ديونه، وبدأ في شغل جديد والحمد لله أموره بدأت تتظبط. أنا من ناحيتي شلت جزء من تحويشتي وشيلتهاله للزمن، بس المرة دي كل حاجة كانت باسمي وتحت عيني وبشروطي أنا. والبنك عمل تكريم كبير لنرمين على شجاعتها وأمانتها.
وأنا خرجت من التجربة دي بدرس عمري ما هنساه؛ ساعات صلة الدم وقرايبك يعميهم الطمع، والشهامة والجدعنة والحق تلاقيهم عند ناس غُرب ميعرفوكش. ثق في الناس... بس أوعى تغمض عينيك. ولما الزمان يكتب لك في داري وعلى غفلة كلمة اهرب... اتعلم تقراها بسرعة، لأن الكلمة دي هي اللي ممكن تنقذ حياتك.