العجوز والدراجه
كل يوم كانت ست عجوز تعدّي الحدود بعجلة قديمة جدًا… وفي سلتها كيس رمل.
حرس الحدود فتشوا كيس الرمل ده مئات المرات.
فتحوه…
فضّوا الرمل على الأرض…
فتشوا قاع الكيس…
حللوا الرمل في المعمل…
ودوروا على أي حاجة مخبية.
لكنهم عمرهم ما لقوا حاجة.
سنين طويلة مرت، والجدة لسه بتظهر كل صباح بنفس العجلة ونفس كيس الرمل.
لحد اليوم اللي واحد من الحراس القدامى خرج على المعاش، وقابلها بالصدفة بعد سنين.
وقف قدامها وقال:
ـ يا حاجة… أنا مش هسيبك المرة دي غير لما أعرف الحقيقة.
ابتسمت الجدة، وربتت على عجلة قديمة كانت بتجرها جنبها، وقالت:
ـ الحقيقة كانت قدامكم طول الوقت يا ابني… بس إنتوا كنتوا بتبصوا في المكان الغلط.
وبعدين قالت له جملة خلته يفضل ساكت ثواني طويلة:
ـ إنتوا كنتوا بتفتشوا الرمل… وأنا عمري ما كنت بهرب الرمل أصلًا.
الحكاية بدأت من سنين طويلة، في نقطة تفتيش حدودية بعيدة عن الزحمة.
كان المكان بيصحى بدري جدًا.
قبل شروق الشمس بقليل، الحراس يبدأوا شغلهم، العربيات تقف في طوابير، والمسافرين يطلعوا أوراقهم، وكل واحد يعدّي من الإجراءات المعتادة.
وفي يوم من الأيام، مع أول ساعة من فتح نقطة التفتيش، ظهرت ست عجوز.
كانت تقريبًا في أواخر الستينات أو أوائل السبعينات.
لابسة هدوم بسيطة، وطرحتها مربوطة بإحكام تحت دقنها، وراكبة عجلة قديمة شكلها كأنها عاشت عمر أطول من عمر بعض الحراس الموجودين.
العجلة كانت متهالكة جدًا.
المقود مائل ناحية اليمين.
السلسلة بتطلع صوت.
والدواسات بتصرخ مع كل لفة.
وفي السلة اللي قدام العجلة كان فيه كيس كبير من الرمل.
الكيس كان مربوط كويس جدًا.
وصلت الجدة عند نقطة التفتيش، نزلت من العجلة، وساقت العجلة بإيدها لحد ما وصلت للحارس.
الحارس بص على أوراقها، وبعدين بص على الكيس.
ـ إيه ده؟
قالت بهدوء:
ـ رمل يا ابني.
ضحك الحارس وقال:
ـ واضح إنه رمل.
وسمح لها تعدي.
في اليوم التاني…
ظهرت الجدة تاني.
نفس العجلة.
نفس السلة.
ونفس كيس الرمل.
الحارس اللي كان موجود اليوم ده افتكرها.
ـ إنتِ مش كنتِ هنا امبارح؟
ـ أيوه.
ـ وبرضه معاكي رمل؟
ـ أيوه يا ابني.
ضحك وعداها.
لكن اليوم التالت حصل نفس الشيء.
والرابع.
والخامس.
وبعد أسبوع، بدأ الحراس ياخدوا بالهم.
واحد منهم قال لزميله:
ـ هو إيه حكاية الست دي؟
ـ حكاية إيه؟
ـ بتيجي كل يوم بنفس العجلة ومعاها كيس رمل.
بص زميله ناحية الجدة وقال:
ـ يمكن بتبيع رمل في الناحية التانية.
رد الأول:
ـ كل يوم؟
ـ ما يمكن شغلها.
لكن الفضول بدأ يزيد.
وفي صباح اليوم التالي، لما الجدة وصلت، قال لها أحد الحراس:
ـ معلش يا حاجة، هنفتش الكيس.
ابتسمت وقالت:
ـ فتش يا ابني.
فتحوا الكيس.
طلعوا الرمل كله.
قلبوا الكيس.
دخلوا إيديهم في الزوايا.
فتشوا القاع.
ولا حاجة.
الرمل كان رمل فعلًا.
رمادي عادي، مفيهوش أي حاجة غريبة.
الحارس قال:
ـ خلاص يا حاجة، اتفضلي.
ركبت عجلة ومشيت.
لكن في اليوم اللي بعده، نفس المشهد اتكرر.
وبعده.
وبعده.
لحد ما الموضوع بقى عادة.
الجدة تظهر.
الحراس يفتشوا.
يفتحوا كيس الرمل.
يفضوه.
يحللوه بعينيهم.
وبعدين يسمحوا لها تعدي.
بعد حوالي أسبوعين، رئيس الوردية بدأ يحس إن الموضوع مش طبيعي.
جمع الحراس وقال:
ـ أنا عايز أعرف الست دي بتعمل إيه.
واحد رد:
ـ فتشنا الرمل يا فندم، مفيش حاجة.
ـ ابعتوا عينة للمعمل.
ـ حاضر.
في اليوم ده، أخذوا كمية من الرمل وحطوها في كيس صغير، وبعتوها للتحليل.
الجدة فضلت قاعدة على الرصيف مستنية.
كان واضح عليها إنها مش مستعجلة.
ولا متوترة.
ولا حتى خايفة.
واحد من الحراس الشباب قرب منها وقال:
ـ يا حاجة، ممكن أسألك سؤال؟
ـ اسأل يا ابني.
ـ هو إنتِ بتستخدمي الرمل ده في إيه؟
الجدة بصت له وقالت:
ـ محتاجاه.
ـ محتاجاه كل يوم؟
ـ أيوه.
ـ وليه؟
هزت كتفها وقالت:
ـ لكل حاجة وقتها يا ابني.
الحارس ضحك:
ـ يعني إيه؟
لكنها ما ردتش.
وبعد شوية قامت، ركبت العجلة، ومشيت.
وصلت نتيجة التحليل.
رئيس الوردية فتح الورقة وبص فيها.
وبعدين رفع عينه للحراس وقال:
ـ الرمل نظيف.
ـ يعني مفيش حاجة؟
ـ مفيش.
ـ أكيد؟
ـ قالوا رمل عادي.
الموضوع كان المفروض ينتهي هنا.
لكن بدل ما ينتهي… بدأ الفضول يكبر أكتر.
لأن السؤال بقى:
لو الجدة مش بتهرب حاجة في الرمل… ليه مصممة تاخده معاها كل يوم؟
عدّى أسبوع.
ظهرت الجدة.
ـ صباح الخير يا حاجة.
ـ صباح النور يا ابني.
ـ كيس الرمل لسه موجود؟
ضحكت:
ـ أهو.
الحارس فتح الكيس.
فتشه.
ولا حاجة.
وفي اليوم اللي بعده نفس الكلام.
وبعده.
وبعده.
في بعض الأيام كانوا يفضوا الكيس كله على الأرض.
وفي أيام تانية كانوا يطلبوا منها تستنى لحد ما يفتشوا العجلة نفسها.
لكن كل مرة…
ولا حاجة.
العجلة قديمة.
السلة قديمة.
كيس الرمل مليان رمل.
وخلاص.
بعض الحراس بدأوا يهزروا معاها.
ـ يا حاجة، إنتِ كده بقيتي واحدة من أهل المكان.
تضحك وتقول:
ـ ما أنا كل يوم بشوفكم أكتر من ولادي.
واحد تاني كان يقول:
ـ النهارده مفيش رمل؟
فترد:
ـ لأ، النهارده جبتلكم كيسين.
فيضحكوا.
وبمرور الوقت، الجدة بقت جزء من روتين المكان.