بنت زعيم المافيا
البنت الصغيرة اللي غيّرت حياتي
أنا كنت مفلسة، في جيبي 15 جنيه بس، وجوا شنطتي جواب طرد من الشقة… لحد ما بنت صغيرة عندها ست سنين سلّمتني موبايلها وهي بتموت في جراج مهجور، وقالتلي: «كلمي بابا».
ما كنتش أعرف إن المكالمة دي هتخليني أقابل أخطر راجل في المدينة…
ولا كنت أعرف إن البنت دي مش بس هتنقذني من الإفلاس…
دي كمان هتفتحلي باب على سر قديم مدفون من عشر سنين، سر كانت أمي المتوفية مخبياه عني.
كانت الساعة 11:47 بالليل يوم تلات.
الجو كان ساقعة بطريقة تخلي الواحد نفسه يختفي تحت البطانية وما يخرجش منها.
بس أنا ما كانش قدامي رفاهية إني أرجع البيت وأدفى.
مديري في المطعم كان معطلني لحد آخر لحظة، بسبب فاتورة غلط أنا أصلًا ماليش دعوة بيها.
ولما خرجت، لقيت آخر أتوبيس مشي.
وقفت قدام المطعم وأنا ببص للشارع الفاضي، وبعدين فتحت تطبيق البنك على موبايلي.
الرصيد: 15.40 دولار.
آه… حتى الدولارات كانت قليلة.
أنا اسمي رنا كمال، عندي 27 سنة، وبشتغل نادلة في مطعم صغير في وسط ديترويت.
ومن كتر ما الدنيا كانت مقفلة في وشي، بقيت بضحك لما تحصل مصيبة جديدة.
قلت لنفسي:
“خلاص يا رنا… اتمشي.”
كان فيه جراج سيارات قديم جنب مسرح ميريديان المهجور.
المكان ده الناس في المنطقة كلها كانت بتتجنبه بالليل.
بس كان أقصر طريق لبيتي.
دخلت الجراج وأنا حاضنة شنطتي على صدري.
صوت خطواتي كان بيرجعلي من الحيطان الخرسانية.
وفجأة…
سمعت كحة.
وقفت.
كحة صغيرة.
مبلولة.
وغريبة.
بصيت ورايا.
مفيش حد.
كملت كام خطوة.
وبعدين سمعتها تاني.
المرة دي قلبي اتقبض.
“في حد هنا؟”
مفيش رد.
مشيت ناحية مصدر الصوت، لحد ما شفت طفلة صغيرة قاعدة على الأرض جنب عمود خرساني.
يمكن عندها ست سنين.
لابسة جاكت كحلي، جزمة سودا واحدة، والشراب الأبيض في رجلها التانية كان مليان تراب.
وشها كان أبيض بشكل يخوف.
قربت منها بسرعة.
“يا حبيبتي… سامعاني؟”
فتحت عينيها بالعافية.
“بردانة…”
خلعت الجاكت بتاعي وحطيته عليها.
“استحملي بس، هكلم الإسعاف.”
مديت إيدي للموبايل…
لكن فجأة البنت مسكت إيدي.
وبصتلي.
وبعدين حطت موبايلها في إيدي.
بصيت للشاشة.
كان فيه رقم متسجل باسم:
بابا ❤️
وتحت الاسم ظهر اسم خلاني أتجمد.
هارون فوزي.
هارون فوزي.
الاسم اللي تقريبًا كل الناس في ديترويت كانت تعرفه.
راجل أعمال ضخم.
فلوسه بالملايين.
وعلاقاته في كل حتة.
وكان معروف عنه إنه راجل محدش يحب يقف في طريقه.
وفيه ناس كانت بتقول إن مجرد إنك تزعل هارون فوزي، كفيل يخلي حياتك كلها تنقلب.
بصيت للبنت.
وبعدين للموبايل.
وقلت:
“يا رب ما أكونش بعمل غلطة.”
وضغطت اتصال.
رن مرة واحدة.
وبعدين رد.
صوت رجولي بارد جه من الناحية التانية:
“عندك عشر ثواني.”
بلعت ريقي.
“أنا… أنا لقيت بنتك جنب مسرح ميريديان. هي تعبانة جدًا ومش قادرة تتنفس كويس.”
سكت.
وبعدين صوته اتغير تمامًا.
“هي واعية؟”
“بالعافية. أنا هكلم الإسعاف.”
“فريقي الطبي هيكون عندك قبلك.”
اتعصبت.
“ده مش وقت الكلام ده! لازم إسعاف حالًا!”
رد بمنتهى الهدوء:
“الليلة دي… هيبقى وقت الكلام ده.”
البنت بدأت تقفل عينيها.
صرخت:
“هي بتغيب عن الوعي!”
الصوت على الناحية التانية بقى حاد:
“اسمها ليلى.”
بصيت لها.
“ليلى؟”
“عندها مشكلة في القلب. خليها قاعدة ومرفوعة. ممنوع أكل أو شرب. أنا على بعد أربع دقايق.”
“حاضر.”
وبعدين سأل:
“اسمك إيه؟”
ترددت.
“رنا.”
“رنا إيه؟”
“رنا كمال.”
كرر اسمي ببطء.
“رنا كمال…”
وبعدين قال جملة لحد النهارده عمري ما نسيتها:
“رنا كمال… إياكي تسيبي بنتي.”
وقفل.
بعد أقل من أربع دقايق…
سمعت صوت عربيات جاية بسرعة جنونية.
ثلاث عربيات SUV سودا دخلت الجراج، والعجل صرخ على الأرض.
الباب اتفتح.
رجالة لابسين بدل سودا نزلوا بسرعة وانتشروا في المكان.
وبعدين نزل هو.
هارون فوزي.
كان طويل، عريض، لابس بدلة سودا، ووشه جامد بشكل يخلي أي حد يتوتر.
لكن أول ما شاف ليلى…
كل حاجة اتغيرت في عينيه.
جري ناحيتها.
بس قبل ما يوصل، ست دكتورة نزلت من العربية التانية ومعاها شنطة إسعافات.
“ابعدوا.”
نزلت على ركبتها جنب ليلى.
“ليلى حبيبتي، أنا دكتورة ناهد.”
ليلى فتحت عينيها.
الدكتورة حطت جهاز على صدرها.
“الأكسجين بسرعة.”
واحد من الرجالة جابهولها.
أنا فضلت ماسكة إيد ليلى.
هارون كان واقف قدامي.
بص على بنته.
بعدين على الجاكت بتاعي الملفوف حواليها.
وبعدين بصلي.
سأل بصوت هادي بشكل مخيف:
“مين فيكم لقاها؟”
بلعت ريقي.
“أنا.”
قرب خطوة.
“اسمك؟”
“رنا.”
“إنتِ اللي كلمتيني؟”
هزيت راسي.
“أيوه.”
بص لإيدي اللي كانت ماسكة إيد بنته.
وبعدين قال:
“شكرًا.”
الكلمة دي كانت آخر حاجة توقعتها منه.
بعد حوالي عشرين دقيقة، ليلى اتحطت في العربية واتنقلت للمستشفى.
وأنا؟
كنت واقفة لوحدي في الجراج.
من غير جاكت.
من غير فلوس.
ومن غير ما أفهم أنا ليه لسه واقفة.
هارون رجعلي.
“تعالي.”
بصيتله باستغراب.
“فين؟”
“المستشفى.”
“أنا؟”
“أيوه.”
“ليه؟”
“لأن بنتي هتسأل عليكي لما تفوق.”
ركبت معاهم.
وما كنتش أعرف إن اللحظة دي هتكون بداية أكبر تغيير حصل في حياتي.
في المستشفى، الدكتورة ناهد طمنتنا إن حالة ليلى استقرت.
هارون وقف قدام باب العناية.
أول ما شافني، قال:
“هي سألت عليكي.”
ابتسمت.
“هي كويسة؟”
“أيوه.”
دخلت أشوفها.
كانت نايمة، وشكلها أصغر بكتير من وهي قاعدة في الجراج.
لما شافتني، ابتسمت.
“رنا.”
قربت منها.
“أيوه يا ليلى.”
“إنتي رجعتي.”
“أكيد.”
مدت إيدها.
مسكت إيدي.
“كنت خايفة.”
قلبي اتوجع.
“خلاص… أنا هنا.”
من بعيد، هارون كان بيتفرج علينا.
وأنا لأول مرة شفت فيه حاجة غير الرجل المخيف اللي الناس بتتكلم عنه.
شفت أب.
أب مرعوب على بنته.
تاني يوم، هارون عرض عليا فلوس.
“ده مقابل اللي عملتيه.”
بصيت للشيك.
المبلغ كان أكبر من كل الفلوس اللي شفتها في حياتي.
رجعتهوله.
“مش عايزة.”
رفع حاجبه.
“ليه؟”
“لأني ما أنقذتش بنتك عشان الفلوس.”
“أنا ما قلتش إنك عملتي كده.”
“بس ده هيخليني أحس إني بعت حاجة.”
فضل ساكت شوية.
وبعدين أخد الشيك.
“تمام.”
افتكرت الموضوع خلص.
لكن بعدها قال:
“طيب اقضي معانا كام يوم.”
ضحكت.
“إيه؟”
“ليلى متعلقة بيكي.”
“أنا شغالة.”
“هعوضك.”
“مش كل حاجة بتتعوض بالفلوس يا أستاذ هارون.”
لأول مرة، ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا.
“واضح إنك بتحبي تقوليلي لأ.”
“لأني مش متعودة أقول آه لأي حد.”
بعد يومين، ليلى بدأت تتحسن.
وفي اليوم التالت، هارون طلب مني أروح معاه لمكان.
كان المكان هو مسرح ميريديان.
نفس المسرح اللي لقيت فيه ليلى.
دخلنا.
المبنى كان قديم، بس واضح إنهم بيجهزوه للترميم.
دخلت صالة كبيرة.
وفجأة شفت على الحيطة لوحة قديمة.
عليها صور ناس اشتغلوا في المسرح.
ومن بينهم…
صورة أمي.
وقفت مكاني.
“دي…”
هارون بص للصورة.
“أمك؟”
هزيت راسي.
“أيوه.”
قربت من الصورة.
اسمها كان مكتوب تحتها:
جون كمال — قسم الملابس.
حسيت الدنيا بتلف بيا.
“إنت كنت تعرف أمي؟”
هارون سكت.
“أيوه.”
بصيتله.
“إزاي؟”
قبل ما يرد، ظهرت ست في أواخر الخمسينات، لابسة بدلة أنيقة.
“أنا كنت مستنياكي.”
بصيت لها.
“مين حضرتك؟”
ابتسمت.
“مارا.”
وبعدين قالت:
“أخت هارون.”
قعدنا في غرفة قديمة جوه المسرح.
مارا حطت قدامي ملف.
“اسم المشروع ده بلو ستار.”
فتحت الملف.
ولما شفت اسمي…
اتجمدت.
رنا كمال — أحد المؤسسين المقترحين للمشروع.
بصيت لهارون.
“أنا؟”
هز راسه.
“مش فاهمين ليه اسمك موجود.”
“إزاي مش فاهمين؟”
مارا قالت:
“المشروع ده عمره عشر سنين.”
بصيت للتاريخ.
نفس سنة وفاة أمي.
قلبي بدأ يدق.
“إيه علاقة أمي بالمشروع؟”
مارا بدأت تحكي.
أمي كانت بتشتغل في المسرح.
وكانت صاحبة هارون، وزوجته المستقبلية سليا.
الاتنين كانوا قريبين جدًا.
وكانوا بيحلموا يحولوا جزء من المسرح لمركز مجاني أو بأسعار بسيطة للأطفال.
تعليم موسيقى.
تمثيل.
خياطة.
تصميم ديكور.
إضاءة.
حاجات عملية للأطفال اللي مفيش عندهم فرصة.
“طب ليه المشروع مات؟”
هارون رد:
“الفلوس.”
بصيتله.
“بس إنت غني.”
“وقتها كنت ببدأ أبني إمبراطوريتي.”
“يعني الفلوس كانت موجودة؟”
“بعضها.”
“إيه اللي حصل؟”
سكت.
وبعدين قال:
“أنا وأمك اختلفنا.”
“على إيه؟”
“التحكم.”
ضحكت بسخرية.
“ده باين.”
مارا بصت له.
“أمك كانت شايفة إن هارون بيأجل كل حاجة لحد ما يبقى كل شيء مثالي.”
هارون قال:
“كنت عايز أضمن إن المشروع يعيش.”
مارا ردت:
“وهي كانت شايفة إن لو استنيت الظروف المثالية، المشروع عمره ما هيبدأ.”
سكت هارون.
وبعدين قال:
“يمكن كانت عندها حق.”
رجعت شقتي بالليل.
فتحت الباب.
لقيت كراتين في كل حتة.
أنا أصلًا كنت بدأت أجهز حاجتي.
لأني كنت مهددة بالطرد.
حطيت شنطتي على الترابيزة.
وأثناء ما بدور فيها، لقيت ظرف قديم.
عليه اسمي.
وبخط أمي.
رنا.
قلبي وقف.
قعدت.
فتحت الظرف.
وكانت أول جملة:
“رنا… لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا ما لحقتش أقولك الحقيقة بنفسي.”
إيدي بدأت ترتعش.
كملت.
“أنا عارفة إنك زعلانة مني.”
“وعارفة إنك قضيتِ سنين تسألي نفسك ليه سيبتك.”
دموعي نزلت.
“أنا ما سيبتكيش عشان ما كنتش بحبك.”
“أنا كنت خايفة.”
سكت شوية.
وبعدين كملت.
أمي اعترفت إنها سافرت عشان تشتغل وتوفرلي حياة أحسن.
لكنها كانت عارفة إنها غلطت.
وكان أكتر شيء ندمت عليه إنها خلتني أفتكر إنها اختارت الشغل عليا.
وبعدين وصلت لجزء المسرح.
“أجمل سنين حياتي كانت في مسرح ميريديان.”
“وسليا كانت أقرب صديقة ليا.”
“وكنا بنحلم نعمل مشروع اسمه بلو ستار.”
قلبت الصفحة.
“حطيت اسمك في المشروع.”
دموعي زادت.
“مش عشان تشتغلي هناك.”
“ولا عشان تاخدي فلوس.”
“حطيته عشان يبقى عندك باب.”
“باب إنتِ اللي تختاري تفتحيه أو لأ.”
وبعدين كتبت:
“ما تخليش هارون ينقذك.”
اتخضيت.
كملت.
“خليه يسمعك.”
ضحكت وأنا بعيط.
“يا ماما…”
وبعدين قرأت:
“هارون مش راجل وحش.”
“هو بس موهوب جدًا في إنه يخلط بين المسؤولية والسيطرة.”
ضحكت من وسط دموعي.
أمي بتشتمه وهي ميتة من عشر سنين!
لكن آخر جزء كان أصعب.
“وما تعاقبيهوش طول عمرك عشان أخطأ.”
“أنا عملت كده.”
“سامحيه لما تكوني مستعدة.”
وبعدين:
“المسامحة مش معناها إنك تقولي إن اللي حصل ما وجعكيش.”
“المسامحة معناها إنك تقرري إن الوجع ده مش هيتحكم في كل قرار جاي في حياتك.”
في آخر الورقة…
كانت رسمة نجمة زرقا.
تاني يوم الصبح، هارون اتصل.
“قريتي الرسالة؟”
“أيوه.”
سكت.
وبعدين:
“إنتِ كويسة؟”
“لأ.”
سكت تاني.
“السؤال كان غبي.”
ضحكت.
“أيوه.”
وبعدين قلت:
“أمي قالت إنك بتخلط بين المسؤولية والسيطرة.”
سكت.
وفجأة سمعت ضحكة مارا من بعيد.
“إنت مع أختك؟”
“أيوه.”
مارا صرخت:
“أنا بسمع!”
هارون قال:
“ممكن نتكلم في موضوع تاني؟”
قلت:
“قالتلي كمان ما تخليش تنقذني.”
“أنا بدأت أكره الرسالة دي.”
“وقالت إنك مش راجل وحش.”
“دي نقطة كويسة.”
“وقالتلي أخليك تسمعني.”
سكت.
وبعدين سألني:
“إنتِ عايزة إيه أسمعه؟”
السؤال ده خلاني أسكت.
مش:
إنتِ محتاجة فلوس؟
ولا:
إيه اللي أقدر أعملهولك؟
لكن:
إنتِ عايزة إيه أسمعه؟
قلت:
“مش عارفة.”
قال:
“خدي وقتك.”
بعدها بيوم، رجعت للمسرح.
بصيت على المخططات.
ولقيت إنهم عاملين مشروع بلو ستار بشكل جميل.
بس الأسعار كانت صادمة.
80 دولار في الشهر.
بصيت لهارون.
“مين يقدر يدفع ده؟”
قال:
“ده أقل من التكلفة.”
قلت:
“أنا مش بسأل عن التكلفة.”
سكت.
“أم بتقبض الحد الأدنى وعندها طفلين مش هتعرف تدفع.”
“هنعمل منح.”
“منح بإثبات فقر؟”
“أيوه.”
قفلت الملف.
“لأ.”
رفع عينه.
“ليه؟”
“لأن الفقير مش لازم يقضي نص عمره يثبت إنه فقير عشان ابنه يتعلم موسيقى.”
سكت.
كملت:
“اعملوا نظام حسب الدخل.”
“مفيش طلبات مهينة.”
“مفيش مقالات تحكي أسوأ يوم في حياة الناس.”
“اللي يقدر يدفع عشرة يدفع عشرة.”
“واللي يقدر يدفع خمسين يدفع خمسين.”
“واللي مش قادر يدفع خالص، يدخل برضه.”
هارون فضل باصصلي.
قلت:
“إيه؟”
قال:
“كملي.”
ومن اليوم ده…
بدأ يسمع.
بعد فترة، مارا عرضت عليا شغل.
منسقة مشروع بلو ستار.
مرتب محترم.
تأمين.
ست شهور مبدئيًا.
بصيتلها.
“هارون هو اللي قالك؟”
“لأ.”
“قالك ما توظفينيش؟”
“أيوه.”
ضحكت.
“كويس.”
مارا ابتسمت.
“هو كان خايف إنك تفتكريها صدقة.”
“وأنا فعلًا كنت هفتكرها كده.”
“عشان كده عملنا لك مقابلة.”
دخلت المقابلة.
ما حدش اهتم إني أنقذت ليلى.
سألوني عن خبرتي.
قلت لهم:
“معنديش خبرة في المؤسسات.”
لكن عندي خبرة في الناس.
“عارفة يعني إيه أم معاها طفلين تستنى أتوبيس بالليل.”
“وعارفة يعني إيه عامل يخلص شغله متأخر ومفيش مواصلات.”
“وعارفة إن الناس اللي محتاجة مساعدة مش ناقصة حد يحسسها إنها أقل من غيرها.”
وفي الآخر…
اتقبلت.
مش لأن هارون فوزي ساعدني.
لكن لأني استحقّيت الفرصة.
بعد ست شهور…
مسرح ميريديان فتح أبوابه.
مش كله.
لكن مركز بلو ستار كان جاهز.
أكتر من مية أسرة سجلت أول أسبوع.
وفي يوم الافتتاح، كانت ليلى هي اللي ماسكة المقص.
لابسة فستان أصفر جميل.
والجزمتين في رجليها.
أنا شخصيًا اتأكدت.
قصت الشريط.
الناس سقفت.
مارا عيطت.
وتاشا، صاحبتي، قالت إنها مش بتعيط، دي بس عينها دخل فيها تراب.
وقفت قدام صورة أمي وسليا.
وتحت الصورة كانت فيه لوحة صغيرة مكتوب عليها:
“الحاجات ممكن تبوظ… وبرضه ممكن تتصلح.”
دي كانت الجملة اللي اخترتها.
من غير أسماء.
من غير تماثيل.
من غير كلام كبير.
بس الحقيقة.
بعد ما الناس مشيت، لقيت هارون قاعد في الصف التالت.
قعدت جنبه.
“إنت مستخبي؟”
قال:
“بتفرج.”
“يعني مستخبي.”
بص للمسرح.
“سليا كانت بتحب المكان ده.”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“كنت فاكر إن فتح المسرح هيخليني أفتقدها أكتر.”
“وطلع؟”
“طلع إني كنت فاهم غلط.”
بصلي.
“الحزن مش معناه إننا نقفل الباب.”
بصيت قدامي.
“أمي كانت هتعجبها الجملة دي.”
“هي كانت بتقول حاجات كتير صح.”
“متأخر.”
“للأسف.”
ضحكت.
وبعدين سألني:
“سامحتيها؟”
بصيتله.
“أوقات.”
هز راسه.
“ينفع؟”
“أيوه.”
“وإنتِ؟”
“أنا إيه؟”
“سامحتيني؟”
ابتسمت.
“أوقات.”
ضحك.
“عادل.”
قبل ما أمشي، ليلى ظهرت فجأة.
“رنا!”
“نعم؟”
“بابا عايز يقولك حاجة.”
بصيت لهارون.
“إيه؟”
اتوتر.
ولأول مرة أشوف هارون فوزي مش عارف يقول كلام.
قال:
“كنت عايز أسألك…”
سكت.
“تخرجي معايا تشربي قهوة؟”
رفعت حاجبي.
“دي قهوة.”
“قهوة تانية.”
“يعني إيه؟”
“مش عن المسرح.”
“ولا عن ليلى.”
“ولا عن أمك.”
“ولا عن الشغل.”
“ولا عن الفلوس.”
بصيتله.
“طب هنتكلم في إيه؟”
قال:
“مش عارف.”
ضحكت.
“إنت مش عارف؟”
“بحاول أجرب حاجة جديدة.”
فكرت ثواني.
“قهوة واحدة.”
ابتسم.
“واحدة.”
“أنا اللي هختار المكان.”
“موافق.”
“من غير سواق.”
“موافق.”
“ومن غير ما تحجز قبلها.”
اتردد.
“هارون.”
“موافق.”
ابتسمت.
“خلاص.”
وفجأة…
ليلى صرخت من آخر الصالة:
“بابااااا! رنا وافقت!”
كل اللي في المكان بصوا علينا.
وشي احمر.
هارون بص لبنته.
“إزاي سمعتي؟”
قالت بمنتهى البراءة:
“المكان بيدوّي!”
مارا انفجرت في الضحك.
أنا غطيت وشي بإيدي.
وقلت:
“دي هتبقى كارثة.”
هارون ابتسم.
“أيوه.”
لكن المرة دي…
كانت ابتسامته حقيقية.
بالليل، بعد ما الكل مشي، رجعت أقف قدام النجمة الزرقا.
طلعت رسالة أمي من شنطتي.
فضلت أبص عليها شوية.
أمي كانت بتحبني.
وفي نفس الوقت…
وجعتني.
عملت حاجات صح.
وحاجات غلط.
وكانت شجاعة في حاجات…
وخايفة في حاجات تانية.
وكل ده كان ممكن يكون حقيقي في نفس الوقت.
لأول مرة فهمت إن المسامحة مش معناها إني أمسح الماضي.
الماضي هيفضل موجود.
بس مش لازم ياخد كل قراراتي.
قفلت الرسالة.
وحطيتها في شنطتي.
سمعت خطوات صغيرة ورايا.
ليلى.
وهارون وراها.
“إنتِ لسه هنا؟”
ليلى هزت راسها.
“نسيت الأرنب بتاعي.”
رفعت اللعبة في إيديها.
ضحكت.
“دي حالة طوارئ فعلًا.”
وقفت جنب النجمة.
وسألت:
“النجمة دي بتاعة مامتك؟”
قلت:
“جزء منها.”
“ومامتي؟”
“جزء منها برضه.”
بصتلي.
“يعني دلوقتي بتاعتنا؟”
بصيت لهارون.
هو بصلي.
وبعدين بصيت للصالة الكبيرة.
للمكان اللي هيستقبل أطفال بكرة.
أطفال هيتعلموا.
ويلعبوا.
ويغلطوا.
ويصلحوا.
ويحاولوا تاني.
ابتسمت.
“أيوه.”
“أعتقد إنها بقت بتاعتنا.”
ليلى مسكت إيدي.
وبعدين مدت إيدها التانية لهارون.
ومشينا إحنا التلاتة ناحية باب المسرح.
من كام شهر بس…
كنت داخلة جراج مهجور عشان ألحق أوصل بيتي بعد ما فاتني الأتوبيس.
كنت فاكرة إن أسوأ حاجة في حياتي هي جواب الطرد اللي جوا شنطتي.
وكنت فاكرة إن الفقر معناه إني فشلت.
وكنت فاكرة إن سكوت أمي طول السنين معناه إني ما كنتش مهمة بالنسبة لها.
وكنت فاكرة إن هارون فوزي هو الراجل المخيف اللي كل الناس بتحكي عنه.
طلع إني كنت غلطانة في حاجات.
وصح في حاجات تانية.
الحياة ما بقتش سهلة فجأة.
لسه بحسب فلوسي.
لسه بقلق.
لسه بغلط.
هارون لسه بيعصبني.
مارا لسه بتتدخل.
وتاشا لسه فاكرة إني مديونة لها بـ14 دولار.
وليلى لسه مقتنعة إن أربع معالق بان كيك يعتبروا فطار كامل.
بس اتعلمت حاجة.
الحياة ممكن تبوظ.
الخطط ممكن تفشل.
والناس ممكن تخذل بعض.
والأبواب ممكن تتقفل.
وممكن تلاقي نفسك في أبرد وأخوف مكان في حياتك…
من غير ما تكون مخطط لكده.
لكن…
الحاجة اللي باظت ممكن تتصلح.
مش بسهولة.
ومش دايمًا.
لكن ممكن.
وأحيانًا…
الباب اللي بيفتح لك حياة جديدة…
مش بيكون فلوس.
ولا حظ.
ولا راجل غني.
أحيانًا بيكون…
طفلة عندها ست سنين، بتسلمك موبايلها وهي بتموت، وتثق فيكي كفاية عشان تقولك:
“كلمي بابا.”
ومن اللحظة دي…
حياتي كلها اتغيرت.