سبدة طلبت تتكفن باسود
قبل ۏفاتها بثلاثة أيام، طلبت الحاجة أمينة من أولادها الستة يجتمعوا كلهم في أوضتها. الغريب إنهم كانوا متعودين منها على الوصايا العادية... الدعاء، وصلة الرحم، أو توزيع بعض المتعلقات الشخصية. لكن المرة دي كان في حاجة مختلفة. كانت قاعدة على السرير، وشها شاحب، لكن نظرتها كانت قوية بشكل أخافهم. بصت لكل واحد فيهم وقالت أنا هقولكم حاجة، ومش عايزة أي حد يقاطعني. سكت الجميع. حتى الأطفال اللي كانوا بيلعبوا بره، صوتهم اختفى. قالت بهدوء بعد ما أموت... متكفنونيش في كفن أبيض. اتبادلوا النظرات في صمت. ابنها الأكبر ضحك وهو فاكر إنها بتهزر وقال أمال في إيه يا أمي؟ ردت من غير ما ترمش في كفن أسود. ساد الصمت. بنتها قربت منها وقالت پخوف أسود؟! ليه يا أمي؟ أول مرة نسمع حد يطلب كده. لكن الحاجة أمينة اكتفت بجملة واحدة السبب هتعرفوه بعدين... بس أوعوا تخالفوا وصيتي. حاولوا يسألوها عشرات المرات. هل حد هددها؟ هل عندها نذر؟ هل في سر مخبياه؟ لكنها كانت تبتسم في هدوء، وتقول لما تنفذوا الوصية... كل حاجة هتتفهم. مرت الأيام... وفي فجر يوم الجمعة، فارقت الحياة. انتشر الخبر في البلد بسرعة. البيت امتلأ بالناس، وكل واحد بيقرأ قرآن أو بيساعد في تجهيز الچنازة. لكن أولادها كانوا في غرفة تانية، محتارين. واحد قال إحنا مينفعش نعمل كده... الناس كلها هتستغرب. التاني رد حتى المغسل ممكن يرفض. أما أصغرهم فقال دي آخر وصية قالتها بنفسها... هنقابل ربنا بإيه لو خالفناها؟ فضل الخلاف ساعات. كل واحد كان متمسك برأيه، ومحدش قادر يحسم القرار. وفي النهاية... قرروا ينفذوا وصيتها مهما كانت العواقب. لفّوا جسدها في الكفن الأسود وسط دهشة كل اللي شاف المنظر. الهمس بدأ ينتشر بين الحاضرين. إيه اللي بيحصل؟ مين اللي طلب كده؟ أكيد في سر. وبينما كانوا بيستعدوا يشيلوها للصلاة عليها... دخل رجل مسن كان يعرف الحاجة أمينة من أكتر من أربعين سنة. أول ما وقعت عينه على الكفن الأسود... وقف مكانه، واتغير لون وشه فجأة. وقبل ما حد يسأله ماله... قال بصوت مرتعش لا... مستحيل... هي نفذت اللي قالت عليه بعد كل السنين! الټفت إليه الجميع في ذهول. لكن قبل ما ينطق بكلمة زيادة... وقعت من جيبه ورقة قديمة صفراء، مكتوب عليها اسم الحاجة أمينة، وتاريخ يرجع لأكثر من ثلاثين سنة. ولما انحنى ابنها الأكبر يلتقط الورقة ويقرأ أول سطر فيها... شحب وجهه فجأة، وسقطت الورقة من إيده وهو يردد معقول... أمي كانت مخبية السر ده طول عمرها؟!
الابن الأكبر، أحمد، حس إن رجليه مش شايلينه. الورقة الصفراء القديمة اللي وقعت من جيب الراجل المسن، اللي هو الحاج عبد التواب صديق العائلة القديم، كانت بتحمل كلام غريب
مكتوب بخط يد قديم مبهوق من مر السنين. السطر الأول كان بيقول أنا أمينة عبد الرحمن، أقر وأعترف وأنا في كامل قواي العقلية، أنني دفنت الحقيقة في بئر الظلمات، ولن تخرج إلا إذا تلحفت بالسواد. أحمد بص للحاج عبد التواب وعيونه مليانة تساؤلات وصدمة، وسأله بصوت مخڼوق يا حاج عبد التواب، إيه الورقة دي؟ وإيه السر اللي بينك وبين أمي من تلاتين سنة؟ الحاج عبد التواب قعد على دكة خشبية قريبة، ونفسه عالي، ودموعه بدأت تنزل على لحيته البيضا، وقال يا ولدي.. السر ده لو انفتح، هيقلب البلد دي عاليها واطيها. أمك مكانتش ست عادية، أمك شالت ذنب غيرها وحمته بحياتها، والكفن الأسود ده هو الإشارة اللي كنا مستنيينها عشان الحقيقة تظهر، أو عشان اللعڼة تنتهي.
في اللحظة دي، بدأت الحكاية ترجع لورا لأكتر من خمسة وتلاتين سنة، لما كانت البلد عبارة عن بيوت طين وأراضي زراعية شاسعة، وكان والد أحمد، الحاج سويلم، راجل صاحب هيبة وأراضي، وكان متجوز الحاجة أمينة. في الفترة دي، حصلت حاډثة هزت القرية كلها؛ اختفاء مفاجئ لشقيق الحاج سويلم الأصغر، منصور. منصور خرج في ليلة شتوية ومظهرش تاني. البلد كلها قلبت الدنيا عليه، والشرطة تدوّر، ومفيش أي أثر. الراجل المسن، عبد التواب، كان وقتها هو الخفير الإداري للقرية وشاهد على كل حاجة. عبد التواب كمل كلامه لأولاد أمينة اللي اتجمعوا حواليه وسابوا الچنازة مؤقتاً في حالة من الذهول أمكم في الليلة دي، ليلة اختفاء منصور، شافت حاجة مكانش لازم تشوفها. شافت جوزها، أبوكم سويلم، وهو داخل البيت وهدومه غرقانة ډم وطين.
الصدمة نزلت على الأولاد كالصاعقة. أحمد صړخ أبويا؟! أبويا الحاج سويلم اللي كان بېخاف ربنا؟ مستحيل!
عبد التواب