لو ابنك ممضاش
الفصل الأول انقشاع الضباب
لو ابنِك ما مضاش بكرة يا ست، هودّيكي مصحة، وأقسم بالله محدش حتى هيسأل عنك. كانت هذه العبارة الحادة كالشفرة، والمليئة بالغل، هي أول ما اخترق مسامع خالد فور أن فتح باب بيته الخارجي. اتجمد مكانه تماماً، ويده ما زالت قابضة على مقبض الباب الحديدي، بينما أحس بدمائه تغلي في عروقه وتتحول إلى حمم بركانية من فرط الصدمة والجهد. في فناء البيت الداخلي، كان المشهد يفطر القلوب؛ أمه، الست فاطمة، المرأة التي بلغت من العمر واحداً وسبعين عاماً، كانت راكعة على ركبتيها العليلتين بجانب جردل مياه بلاستيكي، ملابسها المنزلية البسيطة مبتلة بالكامل، ويداها اللتان أمضتا عمراً في الكفاح ترتعشان بشدة، بينما خصلات من شعرها الأبيض لازقت في وجهها بفعل المياه المتسخة.
أمامها مباشرة، كانت تقف زوجته نيرمين، بملابسها الأنيقة وعطرها النفاذ، تمسك بخصلة من شعر الأم العجوز بكل برود وقسۏة، وقالت باستهزاء وشماتة أيوة... انزلي أكتر، وافركي الرخام كويس. كده عشان تعرفي مقامك الحقيقي في البيت ده، وعشان تفتكري إنتِ كنتِ إيه قبل ما أدخلك قصر الشافعي. اتقدم خالد خطوة واحدة، وصوته خرج ثابتاً كالجبل رغم البركان الذي يعتمل في صدره سيبيها. بصت له نيرمين، ولم تبتلعها الأرض خجلاً، بل ابتسمت ابتسامة عريضة باردة كأنها كانت تنتظر دخوله وتتحدى رجولته. قالت بنبرة متهكمة رجعت بدري يا خالد؟ يا خسارة... أمك كانت بس بتتعلم أدب التعامل، وتتعلم إنها متدخلش نفسها في مكان محدش طلبها فيه، وبلاش شغل الحموات القديم ده معايا.
حاولت الأم أن تقوم مستعينة بالأرض، لكن رجليها زلقت على الصابون السائل المنشور بكثافة. جرى خالد عليها كالسهم، ولحق بجسدها الضعيف قبل أن يرتطم بالرخام الصلب. رفعت الأم عينيها الغائمتين المليئتين بالدموع، وهمست وهي تبص له برجاء وخوف عليه يا ابني... بلاش... عشان خاطري الموضوع ما يستاهلش، سيبها وخليني أخلص اللي ورايا. الكلمة دي وجعت خالد أكتر من منظرها وهي راكعة؛ لأن فاطمة عمرها ما كانت ضعيفة أو مستسلمة. هذه الست هي من اشتغلت سنين طويلة في البيع بالشوارع، تحت لهيب الشمس وبرد الشتاء، لتطعمه وتقدمه للمجتمع وتضمن له شهادته الجامعية. وهي من رعت والده المړيض لسنوات حتى فارق الحياة، وبعد ۏفاته، هي التي شجعته بيدها المرتعشة وباعت ذهبها المتبقي ليتمسك بالمشروع الصغير الذي ورثه، ورفضت أن يبيعه للذئاب. ودلوقتي... بقت بتعتذر إنها موجودة في بيت ابنها.
بصت نيرمين لأظافرها الحمراء المطلية حديثاً وقالت بكل ثقة وجبروت بكرة عندنا معاد عند الموثق والشهر العقاري. هتمضيلي على توكيل عام، توكيل يديني الحق في التصرف في الشركة والبيت والجرار وكل شبر تملكه... وأمك دي هتروح مكان متعرفش ترجع منه، مصحة الأمراض العقلية اللي في أطراف المحافظة، أنا رتبت كل حاجة. فضل خالد باصص لها من غير كلمة، وذهنه يعود لسبع سنين كاملة مضت. سبع سنين وهي قدام الناس الزوجة المثالية، تظهر في المناسبات بابتسامة ملائكية، تنادي أمه في العلن ب يا ماما، وتنزل صوراً ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تتحدث عن البر، والإحسان، والعيلة، والوفاء. لكن جوه البيت، وخلف الأبواب المغلقة، كانت كائناً شيطانياً آخر، كائناً لا يتوقف عن السخرية منه، واصفة إياه بالفاشل، ومرددة لولا أهلها ونفوذهم لكان خسر كل شيء، ومحملة أمه ذنب كل تعثر. كان ساكت طول الفترة اللي فاتت، مش خوفاً منها أو من عائلتها ذات النفوذ، ولكن لأنه كان مستني اللحظة الصح، اللحظة التي تكتمل فيها خيوط
اللعبة.
قال بهدوء مريب إنتِ بجد فاكرة إني همضي يا نيرمين؟ ضحكت بصوت عالٍ وقالت أكيد هتمضي ورجلك فوق رقبتك. ولو ممضتش، من بكرة الصبح هبدأ إجراءات الحجر على أمك وإثبات إنها فاقدة للأهلية ومچنونة. عندي دكاترة هيكتبوا التقارير اللي أنا عايزاها، وشهود من أصحابي، ومعارف في كل حتة. ومحدش هيصدق ست كركوبة كبيرة في السن عندها زهايمر. وطّت الأم رأسها في صمت مكسور، وساعتها فهم خالد إن اللي بيحصل عمره ما كان مجرد خلاف عائلي عادي، دي خطة كبرى متحضرة من زمان؛ نيرمين مش عايزة الفلوس والشركة وبس، هي عايزة تمحي أمه وتاريخ كفاحها من حياته تماماً لتستأثر بكل شيء.
رفع خالد عينه ببطء ناحية جهاز صغير مثبت بدقة فوق باب الفناء الداخلي، شكله كان زي كاشف دخان وحرائق عادي جداً، وفيه لمبة حمراء صغيرة بتنور وتطفي بانتظام. نيرمين ما كانتش تعرف إن الجهاز ده مش كاشف دخان أصلاً، وما كانتش تعرف إنه كاميرا مراقبة رقمية متطورة ومزودة بميكروفون عالي الحساسية، بيسجل كل كلمة، وكل ټهديد، وكل إهانة ونظرة احتقار بقاله تلات أسابيع كاملة. وكمان ما كانتش تعرف إنه قبل ما يرجع البيت بساعات قليلة، كان خالد قد جلس في مكتب محاميه الخاص، وسلمه النسخ الاحترافية من الفيديوهات وصاغوا معاً أول بلاغ رسمي للنائب العام پتهم الابتزاز، والټعذيب النفسي، والټهديد باحتجاز مواطن دون وجه حق. وبينما كانت نيرمين تصرخ وراه وهو خارج وساند أمه بدفء وحنان بكرة هتمضي! ولو ممضتش... الست دي مش هتنام في البيت ده تاني! ما ردش عليها نهائياً. حضڼ أمه بقوة وباس رأسها، لأنه كان عارف إن الساعات الجاية هي اللي هتقلب حياة نيرمين وعائلتها كلها، وهتكشف أسرار وتاريخاً مظلماً عمر نيرمين ما كانت تتخيل إنه هيطلع للنور.
الفصل الثاني شباك العدالة
أخذ خالد أمه في تلك الليلة الاستثنائية إلى شقة صغيرة كان قد استأجرها سراً في حي هادئ بعيد عن أعين زوجته وعيون عائلتها. وضعها على السرير برفق، وأحضر لها ملابس جافة، وصنع لها كوباً من الشاي الساخن بيدين تحاولان طمأنتها. جلست فاطمة ونظرت لابنها بعينين تملؤهما الحيرة وقالت بصوت متهدج يا خالد يا ابني، أنا خاېفة عليك. نيرمين أهلها ناس واصلين وعمها لواء متقاعد وأخوها مستشار، وإحنا ناس غلابة على قد حالنا. بلاش تخسر بيتك وشركتك عشاني، أنا كبرت وعشت أيامي، ومش باقي لي كتير. قبل خالد يدها مجدداً وقال بثقة لم تعهدها فيه من قبل يا أمي، زمن السكوت انتهى. أنا ما كنتش ساكت ضعف، أنا كنت بجمع خيوط المشنقة اللي هما غزلوا أولها. نامي وارتاحي، وبكرة الصبح هتشوفي ابن فاطمة هيعمل إيه.
في تمام الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، كانت نيرمين تجلس في مكتب الموثق الشهير في وسط المدينة، ترتدي نظارتها الشمسية الفاخرة، وتضع رجلاً فوق رجل، وبجانبها محامي عائلتها الخاص، ممسكة بالملفات الورقية للتوكيل العام الشامل. كانت تنظر إلى ساعتها بملل وغرور، وتتصل بخالد الذي لم يكن يرد على مكالماتها. قالت للمحامي بنبرة حانقة لو مجاش خلال ربع ساعة، أنا هخلّي الدكاترة يروحوا يقبضوا على أمه من البيت فوراً ويدخلوها المصحة بالتقرير الجاهز. وفجأة، انفتح باب المكتب، لكن لم يدخل خالد وحده؛ دخل ومعه ضابط شرطة برتبة مقدم، واثنان من أمناء الشرطة، وخلفهم المحامي الخاص بخالد، الأستاذ رفعت.
انتفضت نيرمين من مكانها وقالت بزجر في إيه هنا؟ إنت اټجننت يا خالد؟ جايب الشرطة معاك
ليه؟ تقدم الضابط