يعد ما اخترتوني زفتني

لمحة نيوز

بعد ما أخت جوزي زقتني من على السلم عشان تخلى الجو لصاحبتها  فوقت في المستشفى، مضيت على ورق الطلاق، واختفيت من غير ما أقول كلمة.
وفي نفس الليلة، كان جوزي كريم في شقته الجديدة مع مراته التانية داليا... الجوازة اللي جهزتهاله اخته من ورا ضهري من غير ما أعرف. كانوا بيضحكوا ويحتفلوا بحياتهم الجديدة، لما تليفونه رن.
الدكتور قاله ببرود:
"مراتك كانت حامل... وخسرت الجنين. والتحاليل اللي عملتها أكدت إنك مستحيل تخلف تاني."
الموبايل وقع من إيده، وفي نفس اللحظة وصلته آخر رسالة مني:
"اتهنى بالعيلة اللي اخترتها بنفسك."
الجزء الأول
آخر حاجة سمعتها قبل ما دماغي تخبط في رخام السلم كانت صوت ندى، أخت جوزي، وهي بتقول بسخرية:
"يمكن دلوقتي تعرفي مقامك."
وبعدها حسيت السلم اختفى من تحت رجلي... ومعاه راح ابني اللي لسه ماكنتش لحقت أقول لحد إني حامل فيه.
فوقت على نور المستشفى، وجرح فوق حاجبي، ووجع كأنه كسر كل حاجة جوايا.
الدكتور شريف منصور وقف جنب سريري وقال بحزن:
"أنا آسف يا سارة... إنتِ كنتِ حامل في الأسبوع التامن."
إيدي راحت على بطني وأنا برتعش.
"لأ... مستحيل."
هز راسه وقال:
"الوقعة كانت السبب في فقدان الجنين."
كريم... جوزي... ماجاش يزورني ولا حتى مرة.
والصدمة الأكبر كانت لما عرفت إنه من شهور كان متجوز داليا عرفي وبعدين وثق الجواز رسمي، وكل ده من غير ما أعرف، بينما أنا كنت فاكرة إنه مسافر بسبب الشغل كل كام يوم.
أما أخته ندى، فبعتتلي ورد وكارت مكتوب فيه:
"اللي حصل قضاء وقدر... بلاش تعيشي دور الضحية."
في اللحظة دي، الحزن مات... واتولد مكانه قرار عمره ما هيتغير.
آخر حاجة سمعتها قبل ما دماغي تخبط في رخام السلم كانت صوت ندى، أخت جوزي، وهي بتقول بسخرية:
"يمكن دلوقتي تعرفي مقامك."
وبعدها حسيت السلم اختفى من تحت رجلي... ومعاه راح ابني اللي لسه ماكنتش لحقت أقول لحد إني حامل فيه. كنت طالعة من شقتهم عشان أجيب لكرم أوراق مهمة نسيها، ولقيت الباب مفتوح شوية، وسمعتها بتكلم داليا، اللي كانت واقفة جنبها وبتضحك، وقالت لها: "خلينا نخلص منها بسرعة، كريم مش هيجرأ يفصلها لو حصل لها حاجة، وهنقولها وقعت لوحدها". لما شافتني عرفت إن سمعت كل حاجة، فدفعتني بكل قوتها في صدري، ورجلي تعثرت، وبدأت تتدحرج درجة ورا درجة لحد ما ضربت راسي في حافة الدرج الأخيرة، والدنيا سودت في عيني.

فوقت على نور المستشفى القوي اللي وجع عيني، وجرح فوق حاجبي ملبس بضمادة، ووجع في كل جسمي كأنه كسر كل حاجة جوايا. حاولت أتحرك بس ساقي مش بيطيعني، وبطني كان بيوجعني بطريقة غريبة، كأن حاجة كانت موجودة ومشيت فجأة. الدكتور شريف منصور وقف جنب سريري، وجهه مش مبين أي تعبير، وبعد ما شافني فتحت عيني قال بحزن واضح:
"أنا آسف يا سارة... إنتِ كنتِ حامل في الأسبوع التامن. الوقعة كانت قوية جداً، والجنين ما قدرش يصمد."

إيدي راحت على بطني وأنا برتعش من الرعب والصدمة، والدموع نزلت من غير ما أشوفها:
"لأ... مستحيل! أنا لسه ما كملت شهرين من ما عرفت بنفسي، كنت هقول له الليلة عشان عيد زواجنا الثالث... مستحيل يكون راح."
هز راسه ببطء وقال:
"النزيف كان قوي جداً، وعملنا كل حاجة نقدر عليها بس ما نجحش. وفي حاجة تانية لازم تعرفيها... التحاليل اللي عملناها أكدت إنك تعرضتي لضربة قوية في الرحم، وإن احتمال الحمل تاني عندك بقي ضعيف جداً، إن ما كانش مستحيل في المراحل القادمة."

كنت سامعة الكلام بس مش مستوعبة حاجة، كلامه كان بيضرب في ودي زي الصخور، وكل كلمة بتقتل جزء مني. كنت منتظرة كريم يجي، يضمني، يقول لي ده كلام غلط، يقول لي هنرجع نبدأ من جديد، بس ساعات مرت، وأيام، ولا جاب سيرتي ولا حتى سأل عليا من الممرضات. لما كلمت خالته اللي كانت تعرفني من صغري، قالت لي بصوت خافت: "يا بنتي كريم مش عارف يروح، وندى قالتله إنك سافرتي لبلدك، وإنك مش عايزة تشوفيه تاني".

والصدمة الأكبر كانت لما الممرضة جابت لي ورقة كانت سقطت من جيب ملابسي القديمة، كانت صورة جواز رسمي بين كريم وداليا، مؤرخة من أربعة شهور، مع إيصالات إيجار شقة جديدة في مدينة نصر، وكلها توقيع كريم. عرفت ساعتها الحقيقة كلها: من شهور كان متجوزها عرفي، وبعدين وثق الجواز رسمي، وكل ده من غير ما أعرف، بينما أنا كنت فاكرة إنه مسافر بسبب الشغل كل كام يوم، وبيقضي لياليه معاها، واخته هي اللي كانت بتساعده وبتخبي عني كل حاجة.

أما أخته ندى، فبعد ما خرجت من المستشفى ورجعت للشقة لقيتها بعتتلي ورد وكارت مكتوب فيه بخطها اللي كنت بحفظه: "اللي حصل قضاء وقدر، والجواز نصيب، بلاش تعيشي دور الضحية وتزعجي نفسك وتزعجينا معاكِ. خليكِ في حالك وأنا أضمن لكِ إن كريم هيعطيكِ تعويض كويس".

في اللحظة دي، الحزن مات... واتولد مكانه قرار عمره ما هيتغير. مش هعيط، مش هشتكي، مش هطلب رحمة من حد، ولا من كريم ولا من أخته ولا من داليا. اللي فات ميرجعش، بس اللي لسه جاي هو اللي بيحدد النهاية، وكل واحد فيهم لازم ياخد جزاء ما عمله، بالعدل اللي ربنا بيعطيه، وبالقانون اللي هم فكروا إنه مش هيقدر يوصل لهم.

في نفس الليلة، كنت جالسة على سريري في المستشفى، والباب فتح ودخل المحامي اللي كنت تعرفه من أيام ما كنت بشتغل في مكتب المحاسبات، كنت طلبته يجي من غير ما حد يعرف. قلت له كل حاجة شفتها وسمعتها، وكل ورقة وجدتها، وقلت له: "عايزة كل حاجة تثبت إنهم خدعوني، وإن الجوازة التانية كانت باطلة، وإن الوقعة دي مش حادثة، ده قتل عمد لروح كان جوايا". هو قال لي: "القضية طويلة يا سارة، بس لو صدق كلامك، هم مش هيناموا قرير العين طول عمرهم".

وفي نفس الساعة بالظبط، كان كريم في شقته الجديدة مع داليا، الجوازة اللي جهزتهاله اخته من ورا ضهري من غير ما أعرف. كانوا بيضحكوا ويحتفلوا، المكان مليان ورد أحمر، والطاولة عليها أكل وحلويات، وموسيقى هادئة شغالة. داليا كانت بتحط له كأس عصير وتقول له بضحكة: "أخيراً بقينا مع بعض، من غير ما حد يزعجنا ولا يفكر بينا". هو ضحك وقبل يدها وقال: "صح، من اليوم ده، حياتنا بدأت بجد، وندى قالت لي إن سارة سافرت ومش هترجع، فلا هم ولا هم".

لما كان بيقول كده، تليفونه رن رنة عالية مزقت الجو الهادئ. شاف الرقم غريب، ففتح الخط بسرعة وقال: "ألو، مين معايا؟". الصوت اللي رد عليه كان صوت دكتور شريف، ببرود تام وبدون أي مشاعر:
"أنا الدكتور شريف من مستشفى التأمين الصحي في العباسية. أنت كريم السيد زوج سارة محمد؟"
كريم تغير لونه وقال: "أيوه، أنا هو، إيه اللي حصل؟ هي سارة كويسة؟"
الدكتور رد بكل هدوء زي ما يكون بيقول خبر عن أي حد:
"هي كانت عندنا في المستشفى من يومين، تعرضت لسقوط من السلم. مراتك كانت حامل في الأسبوع التامن... وخسرت الجنين. والتحاليل اللي عملتها أكدت إنك تعاني من ضعف في الخصوبة من الدرجة الأولى، وإنك مستحيل تخلف تاني طول عمرك، ولا حتى بأي وسيلة طبية حديثة. ده تقرير طبي موثق من مستشفى حكومي، فأنت تعرف قيمته."

الموبايل وقع من إيده واتكسر على الأرض، والصوت اللي كان شغال انقطع، وضحكة داليا ماتت في حلقها لما شافت حالة كريم. هو وقف متجمد مش عارف يفكر ولا يتكلم، كلام الدكتور بيضرب في دماغه كالصواعق، ومش قادر يصدق إن اللي سمعه ده حقيقي. وفي نفس اللحظة، الشاشة اللي كانت سوداء بقت تظهر رسالة وصلته للتو من رقمي، الرسالة كانت قصيرة جداً بس كل كلمة فيها سهم بيضرب في قلبه:
"اتهنى بالعيلة اللي اخترتها بنفسك."

الجزء الثاني: الحقيقة اللي ما كانش عايز يراها

بعد ما قرا الرسالة، كريم حس بالدنيا كلها ضاقت عليه، وكل الأمل اللي كان عايشه دقائق مضت راح في داهية. داليا قربت منه ومسكت إيده وقالت: "يا حبيبي إيه اللي حصل؟ تكلم معايا، أرجوك طمني". هو سحب إيده منها بقوة وصرخ فيها: "أبعدي عني! إنتي السبب في كل ده، إنتي وندى خليتوني أضيع أغلى حاجة عندي". داليا خافت وبدأت تعيط وتقول: "أنا ماليش دعوة، ندى قالت لي إنك مش عايزها، وإنها هي اللي طلبت الطلاق وسافرت، ما كنتش أعرف إنها تعبانة ولا حاجة".

كريم راح يجري لبيت أخته ندى، ولما فتحت له الباب ضربها بكل قوته في وشها لحد ما وقعت على الأرض، وصرخ فيها: "ليه عملتي كده؟ ليه قلتلي إنها سافرت؟ ليه خليتني أتجوز داليا وأنا عارف إنني مش أقدر أجيب عيال غير منها؟". ندى قامت ومسحت دمها من خدها وقالت بصلابة: "عملت كده عشانك! هي ما كانتش تناسبك، من عيلة بسيطة، وشغلها مش بيجيب فلوس كتير، وداليا عيلة غنية، أبوها هيساعدك في شغلك ويرفعك فوق. والجوازة التانية كانت نصيب، واللي حصل لها قضاء وقدر، ماليش ذنب".

هو ضحك بصوت عالي مليان بالحزن والجنون وقال: "قضاء وقدر؟ الدكتور قال لي إنها تعرضت لضربة قوية جعلتها تسقط، وإنها كانت عايزة تقول لي على الحمل في نفس اليوم ده! وإنني مش هعرف أجيب عيال تاني أبداً، يعني روحي اللي راحت هي الولد الوحيد اللي كان هينزل لي! ده كله بسببك، بسبب غرورك وحبك في إنك تتحكم في كل حاجة".

في الصباح التالي، راح كريم للمستشفى عشان يسأل عني، بس الدكتور قال له إنني خرجت من يومين، وما تركتش أي عنوان ولا رقم، وكل ما طلبه منه أوراقي رفض وقال: "سارة طلبت مني ما أعطيش بياناتها لأي حد، حتى لو كنت زوجها، ولها الحق في ده قانوناً". راح للشقة اللي كنا ساكنين فيها، لقي الباب مفتوح، وكل أغراضي اختفت، والغرف فاضية تماماً، والرف اللي كان عليه صورنا مع بعض كان فاضي، وما بقاش غير صورة واحدة مكسورة على الأرض، كانت ليلة زفافنا.

كنت في الوقت ده في شقة صغيرة في منطقة شبرا، عند عمتي اللي كانت تعاملني زي بنتها، وما كانتش تعرف بحاجة إلا لما جيت لها وحكيت لي كل الحكاية. قلت لها: "أنا مش هعيش في مكان يذكرني بيه، ومش هروح لحد من أهلي عشان ما يقلقوش، وهكمل طريقي لوحدي لحد ما أخذ حقي". عمتي مسكت إيدي وقالت: "حقك هيجيلك يا بنتي، ربنا مابيضيعش حق حد، وكل ظالم له نهاية".

خلال الأسبوعين اللي جايين، كنت مشغولة جداً مع المحامي، جمعنا كل الأدلة: صورة الجوازة التانية، إثباتات إنه كان بيسافر وبيقضي الوقت مع داليا، شهادة الجيران اللي شافوا ندى بتدفعني، تقرير المستشفى اللي يثبت إن السقوط مش طبيعي، وحتى تسجيل صوتي لما كنت بفتح تليفونها صدفة وسمعتها بتقول لداليا إنها هتخلص مني عشان "الجو يبقى نظيف ليكِ".

عرفت كمان من المحامي إن كريم كان بياخد من مرتبي كل شهر، وبيقول لي إنه بيحطه في حساب مشترك، بس الحساب ده كان باسمه هو وحده، وكل الفلوس اللي جمعناها خلال السنوات التلاتة حولها لداليا، واشترت بيها الشقة الجديدة باسمها. ده زاد من عزمي، وعرفت إنهم مش بس خدعوني وقتلوا روحي، لا كمان سرقوا تعبي وتعبي سنين كتير.

الجزء الثالث: التفكك اللي جالهم من كل ناحية

في نفس الوقت، حياتهم كلها بدأت تتفكك قدام عيونهم، خطوة بخطوة، من غير ما يقدروا يوقفوا حاجة. أول حاجة لاحظها كريم إن داليا مش زي ما كانت، الابتسامة اللي ما كانتش بتفارق وشها اختفت، وبدأت تظهر الحقيقة اللي كانت خبيتها وراها. كانت عايزة منه كل حاجة: فلوس، هدايا، سفر، وكل ما يقول لها إنه مش عايز يصرف فلوس دلوقتي تزعل وتقول له: "أنا اتجوزتك عشان تعيشني حياة كويسة زي ما وعدتني، مش عشان أجوع معاك".

بعدين وصلته رسالة من الشركة اللي كان شغال فيها، قالت له إنهم سحبوا منه المشروع الكبير اللي كان هياخد فيه مكافأة ضخمة، لأنهم اكتشفوا إنه كان بيعطي بيانات المشروع لشركة تانية، وإن الشهادات اللي قدمها عند التعيين كانت مزورة. لما سأل داليا قالت له ببرود: "أنا ما كنتش أعرف إن الشهادات دي مش حقيقية، وندى هي اللي قالت لي إنها ساعدتك فيهم، المفروض تروح تسألها هي".

ولما راح يسأل أخته، لقاها في حالة يرثى لها، زوجها طلقها وعايز ياخد منها البيت والفلوس، واتهمها إنها كانت بتخونه وتصرف فلوسه على كريم وداليا. قالت له وهي بتعيط: "أنا كنت فاكرة إنك هترفعنا كلنا، لقيتك جيت تهدني وتنزلني الأرض. كل حاجة كنت بعملها عشانك وعشان مستقبلك، وآخرها إنك تضربني وتكرهني".

الليلة دي، كريم قعد وحيد في الشقة الكبيرة اللي كانت مفروض تكون سعادتهم، والظلام مليان بالذكريات اللي كان بيحاول ينساها. تذكر أول يوم شافني في الجامعة، كنت بذاكر في المكتبة، وكنت خجولة جداً، لما سألتني عن كتاب كنت بقرأه رديت عليه بصوت خافت وابتسمت. تذكر أيام الخطوبة، كنا بنقعد في المقاهي الرخيصة، ونقول لبعض إننا هنكون أغنياء بس نكون مع بعض، وإن الفلوس مش كل حاجة. تذكر ليلة زواجنا، قلت له: "مهما حصل، أنا هفضل معاك في الحلوة والمرة"، وهو قال لي: "أنا مش هعيش غيرك، ولا هشوف حد غيرك".

وكل كلمة من الكلام ده كانت بتمسح في قلبه كالسكاكين، وعرف ساعتها إنه خسر أجمل ما يملك، وبدل ما يختار السكينة والوفاء اختار الغرور والخداع، والجزاء كان أليم جداً. داليا جت وقعدت جنبه وقالت: "كريم، لازم نعرف فين سارة، ونصالحها، يمكن تسامحنا وتساعدنا". هو هز راسه وقال بصوت متهدل: "هي مش هتسامحنا، ولا حتى لو رحنا نركع عند بابها، اللي كسرناه مش بيتصلح تاني".

الجزء الرابع: الحق اللي رجع لصاحبه

مرت ستة أشهر، وأنا كنت مستعدة تماماً لقضيتنا، وحددت المحكمة الجلسة الأولى. الخبر انتشر بين المعارف والأقارب، وكل واحد كان بيسمع الحقيقة كان بيتعجب من قسوة ما عملوه، وكلهم كانوا بيسألوا فين كنت كل ده، وكيف سكت كل هذا الوقت.

في يوم الجلسة، وصلت للمحكمة مبكرة، لقيت كريم وندى وداليا واقفين قدام الباب، وجوههم شاحبة، وعيونهم مليانة بالخوف. لما شافوني قربوا، وكريم حاول يقرب مني يقول لي حاجة بس أنا مشيت قدامهم بكل ثقة، وكنت واثقة إن الحق هيرجع لي مهما كان الثمن.

بدأت الجلسة، والمحامي عرض كل الأدلة والوثائق: الجوازة التانية باطلة لأنها تمت من غير موافقتي وبدون إخباري، إثباتات إن ندى هي اللي دفعتني وأدت لفقدان الجنين، تقرير الطبيب اللي يثبت إن كريم مش قادر على الإنجاب، وإثباتات إن الفلوس اللي اشترت بيها الشقة كانت من مدخراتي ومرتبي.

كان واضحاً إنهم مش عارفين يردوا على أي سؤال، وندى كانت بتعيط وتقول "أنا ما قصدش أأذيها، كانت مجرد دفعة بسيطة"، بس شهادة الجيران والصورة من كاميرات المراقبة في المدخل كانت تثبت كل حاجة، وإنها دفعتني عمداً وبكل قوتها. داليا اعترفت إنها كانت عارفة بوجودي، وإنها وافقت على الجوازة عشان الفلوس والمركز، وإنها كانت عارفة إن ندى بتخطط لتخلص مني.

بعد ساعات من النقاش، أصدر القاضي الحكم:

- إلغاء الجوازة التانية تماماً، واعتبارها باطلة قانوناً من الأساس.
​
- إدانة ندى بالاعتقال لمدة ثلاث سنوات، ودفع تعويض لي مبلغ مالي كبير مقابل الأذى النفسي والجسدي وفقدان الجنين.
​
- إلزام كريم بإعادة كل الفلوس اللي أخذها مني، وتسليمي نصبي في الشقة القديمة، ودفع نفقة تعويضية عن كل السنوات اللي خدعني فيها.
​
- الشقة الجديدة اللي باسم داليا تُباع، وتُعطى لي قيمتها لأنها من أموالي الخاصة.

لما سمعت الحكم، ما عيطتش ولا ضحكت، بس شعرت براحة عميقة، كأن حملاً ثقيلاً كان فوق كتفي سقط أخيراً. كريم كان واقف مذهول، وندى سقطت على الأرض، وداليا خرجت من القاعة بسرعة وهي مش عارفة تروح فين، لأنها عرفت إنها بقت فقيرة مرة تانية، وإن كل حاجة حلمت بيها راحت.

بعد ما انتهت الجلسة، كريم لحقني لحد باب المحكمة وقال بصوت مكسور: "سارة، أرجوكِ اسمعيني كلمة واحدة... أنا آسف، آسف جداً على كل حاجة، لو رجع بي الزمن لورا ما كنتش عملت كده أبداً. أنا عارف إنك مش هتسامحيني، بس عايزك تعرفي إنك كنت أغلى ما أملك، وإنني خسرت كل حاجة عشان غبي".

نظرت له نظرة أخيرة، نظرة ما فيها لا حقد ولا حب، مجرد نظرة إنسان عرف طريقه تماماً، وقلت له:
"الندم ده جاي متأخر جداً يا كريم. أنا مش هكرهك، لأن الكراهية بتاخد من عمري وقلبي، وأنا مش عايزة أضيع أي دقيقة تانية في حاجة تخصك. اللي عملته كان مرآة ليك، وده الجزاء اللي اخترته بنفسك، زي ما قلت لك في رسالتي. أنا دلوقتي ماشية في طريقي، وانت ماشي في طريقك، ونتمنى ما نلتقي تاني أبداً".

ومشيت، وتركته واقفاً في مكانه، والدنيا كلها ضاقت عليه، وعرف إن الندم مهما كان قوياً مش بيرجع روح راحت، ولا بيمسح أثر خيانة.

الجزء الخامس: البداية اللي ما كانتش في الحسبان

بعد كده، بدأت أعيد بناء حياتي من جديد، خطوة بخطوة. استخدمت التعويض والفلوس اللي رجعت لي في فتح مشروع صغير لمحاسبة ومراجعة حسابات، وكنت بشتغل بجد وإخلاص، وسمعتي طلعت كويسة جداً في المنطقة، وبدأت الشركات الصغيرة والمتوسطة تتعامل معايا.

سافرت لمدينة شرم الشيخ لمدة شهر عشان أرتاح، وشفت البحر لأول مرة من سنين، وحسيت إن الماء بيمسح كل أثر للألم اللي عشته. كنت أجلس على الشاطئ وقت الغروب، وأقول لروحي: "خلاص، انتهت الفترة السوداء، والضوء جاي".

مرت سنة كاملة، ونسيت تقريباً كل تفاصيل الماضي، وصرت إنسانة تانية: قوية، واثقة، عارفة قيمتها تماماً، ومش بسمح لأي حد يلعب بمشاعري أو يخدعني. عرفت إن الحب مش معناه التنازل عن الكرامة، وإن العيلة الحقيقية مش اللي تجمعك بهم صلة دم، بل اللي يقفوا معاك في وقت الضيق ويصدقوك.

في يوم من الأيام، كنت في اجتماع عمل، وقابلت راجل اسمه ياسر، مهندس معماري، كان بيجي يتعامل معايا في مشروع شركة جديدة. كان إنسان بسيط، محترم، بيحترم كلامي وآرائي، وما حاولش يتقرب مني بسرعة، بل اخد وقته في التعرف عليا كشخص أولًا.

بعد شهور من التعامل، طلب مني نتقابل خارج العمل، وقلت له كل الحكاية من أولها لآخرها، عشان ما يتفاجأ بعدين. سمعني بكل هدوء، وبعد ما خلصت قال لي بابتسامة دافئة: "أنا مش شايف غير إنك إنسانة صادقة وقوية، وإن كل اللي حصل ده كان عشان تيجي لي، ونتعرف على بعض. الماضي درس، والمستقبل لينا".

في نفس الوقت، كنت سمعت أخبارهم من وقت للتاني، من غير ما أسأل: كريم بيعمل أي عمل بسيط عشان يأكل عيشه، وعايش وحيد في غرفة صغيرة، وكل يوم بيجلس وحيد ويندم، وكل ما شاف طفل صغير يتذكر اللي راح منه وبيبكي. ندى خرجت من السجن، بس زوجها رفض يرجع لها، وكل المعارف ابتعدوا عنها، وعايشة وحيدة في بيت قديم. داليا سافرت لبلدها، وما حدش عرف عنها حاجة تانية، وكل فلوسها خلصت بسرعة.

وما شعرت بالفرح لما سمعت الأخبار دي، ولا بالحزن، بس كنت شايفة إن العدالة الإلهية أخذت مجراها، وإن كل واحد خد نصيبه بالظبط.

الجزء السادس: النهاية اللي كنت مستحقة لها

بعد سنتين ونص من ما خرجت من المستشفى، كنت واقفة في قاعة صغيرة، وبجانبي ياسر، وأهلي وعمتي والأصدقاء المقربين حولينا. كنت لابسة فستاناً أبيض بسيطاً، والابتسامة ما كانتش بتفارق وشي، والقلوب كلها كانت بتدعيلنا بالسعادة والهناء.

ياسر مسك إيدي وقال لي: "وعد مني يا سارة، مش هخليكِ تحسي بالوحدة أبداً، ومش هخلي حد يأذيكِ ولا يخدعك، وسنعيش مع بعض في الحلوة والمرة، لحد ما نروح لربنا".

قلت له بصوت ممتلئ بالسعادة: "وأنا كمان وعد مني، هكون معاك في كل ظرف، وهشاركك كل أحلامك وأهدافك، وسنبني عيلة سعيدة مبنية على الصدق والاحترام".

عرفت ساعتها إن ما ماتش في الماضي كان نهاية الحياة، بل كان نهاية لمرحلة مليئة بالغلط والخداع، وبداية لمرحلة جديدة أنا مستحقة لها، بالحب الصادق، والكرامة، والسلام النفسي اللي كنت طالبة منه من زمان.

كل الجراح التئمت، وكل الألم صار ذكرى عرفتني قد إيه أنا قوية، وإن الحق دايماً بيجي مهما طال الزمن، وإن اللي بيبني حياته على خيانة وسرقة مش هيلاقي غير الخراب في النهاية. أما اللي بيصبر ويصمد وياخد حقه بالعدل، فالدنيا بتفتح له أبوابها، وربنا بيرزقه من حيث ما لا يحتسب.

واليوم، وأنا عايشة حياتي الجديدة، مش بندم على أي خطوة خطيتها، ولا على أي قرار اتخذته، لأن كل ده أوصلني للمكان الصحيح، مع الشخص الصحيح، في الوقت اللي كان مقدر لي من الأول. وكل ما أتذكر كلام ندى "يمكن دلوقتي تعرفي مقامك"، أضحك بقلبي وأقول لها: "أنا عرفت مقامي تماماً، وأنتِ دلوقتي عرفتي مقام الظالمين، وإن النهاية دايماً للحق".

تم نسخ الرابط