كنت واقفة في جنينة البيت، ماسكة طبق بلاستيك بغسل فيه عنب،

لمحة نيوز

حصري لمدونة لمحة كنت واقفة في جنينة البيت، ماسكة طبق بلاستيك بغسل فيه عنب، لما سمعت صوت "حماتي" الحاجة  وهي بتقول بصوت فيه "سم الهاري" اللي بيسموه خوف الأم على ابنها:
" يا ابني، فوق لنفسك! مراتك دي ’حسابة’ زيادة عن اللزوم، ماسكة القرش في إيدها كأنها هتورثه.  أختك محتاجة الفلوس دي دلوقتي،  غرقانة في ديون بسبب المشروع بتاعها.. شوية غرامات على شوية بضاعة مش ماشية."
جمدت في مكاني.

“يا أحمد، افهم بقى… إنت راجل!” قالت حماتي أمينة بصوت كله ضغط وتمثيل إنه خوف علي ابنها. “مراتك منى شغالة محاسبة وعارفة تحوش القرش قبل الجنيه… لكن أختك دينا أولى بالفلوس دلوقتي. البنت عليها ديون والمحل بتاعها واقع.”

كنت واقفة برة باب المطبخ في بيت العيلة، ماسكة طبق العنب اللي كنت بغسله، واتجمدت مكاني.

الستارة كانت مفتوحة، وكل كلمة كانت واصلالي بوضوح.

أحمد رد بصوت متردد:
“بس يا ماما… دي فلوس منى. المكافأة اللي خدتها من الشغل. كنا متفقين نوضب الحمام ونجيب سيراميك محترم.”

دينا قاطعته وهي بتاكل بسكويت بكل برود:
“والسيراميك هيطير يعني؟ أنا محتاجة مية وخمسين ألف جنيه بس. أسد بيهم الديون وأبدأ مشروع جديد. دلوقتي شغل اللبس المستعمل عليه شغل جامد.”

أحمد تنهد وقال:
“مشروع جديد؟ السنة اللي فاتت كان مشروع العسل، وقبلها مشروع الزرع، وكلهم خسروا.”

دينا اتعصبت وقالت:
“ما تفكرنيش! وبعدين منى مش هتعرف حاجة. قولولها الصنايعية زودوا الأسعار وخلاص. هي مالهاش في شغل التشطيبات.”

في اللحظة دي حسيت إن الدم برد في عروقي.

حطيت الطبق على الترابيزة، ومسحت إيدي، ودخلت عليهم.

أول ما شافوني، الكل سكت.

حماتي ابتسمت ابتسامة مصطنعة وقالت:
“تعالي يا منى… كنا بنشرب شاي.”

ابتسمت بهدوء وقلت:
“واضح إنكم مش بتشربوا شاي بس… واضح إنكم كمان بتقسموا فلوسي.”

الصمت ملأ المكان.

أحمد وطّى راسه.

أما دينا فقالت بسرعة:
“إيه ده؟! كنتي واقفة تتصنتي علينا؟”

بصيتلها وقلت بكل هدوء:
“لا… أنا بس سمعت ناس بتخطط تصرف فلوسي من غير ما حتى يقولولي.”

حماتي رفعت صباعها وقالت:
“يا بنتي الفلوس رزق… والرزق بيزيد لما الواحد يشارك أهله.”

ابتسمت وقلت:
“والرزق كمان بيزيد لما كل واحد يصرف على نفسه ومايبصش في جيب غيره.”

أحمد بدأ يحمر من الإحراج.

وبصيت له وقلت:
“لو كنت موافق تكذب عليا علشان تاخد فلوسي… يبقى المشكلة مش في الفلوس… المشكلة في الثقة.”

المطبخ كله سكت…

وساعتها عرفت إن اللي سمعته ماكانش مجرد كلام… كان بداية مواجهة هتغيّر علاقتنا كلنا.

أحمد فضل باصص في الأرض، وكأنه مستني أي حد ينقذه من الموقف.

أما حماتي أمينة، فعدلت طرحتها وقالت وهي بتحاول ترجع تتحكم في الكلام:

“إيه يعني يا منى؟ هو إحنا هنسرقك؟ دي أخت جوزك، واللي بين الإخوات عمره ما يبقى حساب.”

ضحكت ضحكة خفيفة وقلت:
“الغريب إن الحساب بيظهر أول ما الفلوس تبقى فلوسي.”

دينا خبطت الكوباية على الترابيزة وقالت بعصبية:
“إنتِ دايمًا معقدة! كلها كام جنيه وهيرجعوا.”

بصيتلها وقلت:
“هو في مرة استلفتي فيها ورجعتي؟”

سكتت…

بصيت لأحمد.

“فاكر يا أحمد لما استلفت خمسين ألف علشان مشروع الكافيه؟ وبعدها المشروع قفل.”

فضل ساكت.

“وفاكر لما أخدت تلاتين ألف علشان معرض الأدوات المنزلية؟”

برضه ساكت.

“وقبلها لما قولتلي هتدخل جمعية وهترجعهم بعد ست شهور؟”

حماتي قاطعتني بسرعة:
“إيه يا بنتي هو إحنا هنقعد نفتح دفاتر قديمة؟”

ابتسمت وقلت:
“أنا محاسبة يا حماتي… شغلي كله دفاتر.”

دينا قامت من مكانها وقالت:
“يعني مش هتساعديني؟”

قلت بمنتهى الهدوء:
“هساعد أي حد عايز يقف على رجله… لكن مش همول حد متعود يقع كل سنة في نفس الحفرة.”

حماتي قربت مني وقالت بصوت واطي:
“بصي يا منى… أحمد ابني، وبيته أولى بالفلوس دي.”

ابتسمت وأنا باصة في عينها.

“وأنا مراته… والفلوس دي جاية من شغلي أنا. لا ورث ولا هدية.”

أحمد أخيرًا رفع راسه وقال:
“خلاص يا ماما… الموضوع انتهى.”

لكن حماتي انفجرت.

“انتهى إزاي؟ مراتك مسيطرة عليك! من يوم ما اتجوزتها وإنت اتغيرت.”

بصيت لأحمد وأنا مستنية يرد.

كانت أول مرة أحس إنه قدام اختبار حقيقي.

اتنهد وقال:
“لا يا ماما… أنا اللي كنت غلطان. كنت كل مرة بخاف أزعلك، فأظلم مراتي.”

سكتت أمينة، وكأنها أول مرة تسمع الجملة دي.

أما دينا فقالت بسخرية:
“خلاص… بقت هي أهم من أهلك.”

رد أحمد وهو بيبصلها بثبات:
“مراتي مش ضد أهلي… لكن مش هينفع كل مرة نبني بيتنا ونهده علشان ننقذ مشروع جديد ليكي.”

دينا خطفت شنطتها بعصبية.

“يلا يا ماما… واضح إننا بقينا تقال هنا.”

قبل ما يخرجوا قلت بهدوء:

“استنوا.”

وقفوا.

“أنا مش زعلانة علشان طلبتوا مساعدة… الزعل الحقيقي إنكم خططتوا تاخدوا فلوسي بالكذب.”

فضلوا ساكتين.

“النهارده الموضوع كان سيراميك… بكرة ممكن يبقى شقة… وبعده حساب البنك كله.”

خرجت حماتي من غير ما ترد.

ودينا رزعت الباب وراها بكل قوتها.

البيت رجع هادي.

أحمد قرب مني وقال بصوت كله ندم:

“حقك عليا يا منى.”

قلت:
“الاعتذار سهل… لكن الثقة لما تتكسر بتاخد وقت طويل علشان ترجع.”

في اليوم اللي بعده، رحنا فعلًا اشترينا السيراميك اللي كنا مختارينه من شهور.

وأول ما رجعنا البيت، طلبت من أحمد يقعد معايا.

طلعت ورقة وقلم، وقلت له:

“من النهارده أي قرار يخص فلوسنا هيكون بينا إحنا الاتنين… ومفيش جنيه هيطلع لأي حد من غير موافقة الطرفين.”

بصلي شوية…

وبعدين مد إيده ومضى على الورقة وهو بيبتسم لأول مرة من يوم المشكلة.

يمكن الورقة دي مالهاش قيمة قانونية…

لكن بالنسبة ليا، كانت بداية إن جوازنا يبقى مبني على الصراحة… مش على المجاملات.

تم نسخ الرابط