استيقظت لأجد خزنة حديدية ضخمة وقديمة أمام باب شقتي… وعندما نجح "عم صبحي" صانع الأقفال أخيرًا في فتحها، تراجع للخلف بضع خطوات وهمس في ذعر: "يا بنتي.. أنا ما ليش دعوة باللي جوه.. اتصلي بالبوليس حالًا."
استيقظت لأجد خزنة حديدية ضخمة وقديمة أمام باب شقتي… وعندما نجح "عم صبحي" صانع الأقفال أخيرًا في فتحها، تراجع للخلف بضع خطوات وهمس في ذعر: "يا بنتي.. أنا ما ليش دعوة باللي جوه.. اتصلي بالبوليس حالًا."
كنت أقف بملابس النوم، أحمل كوب قهوتي، بينما كان زوجي "محمود" يستحم في الطابق العلوي.
لم يحدث يومًا أن فاجأتني أيٌّ من الأشياء في عمارة جيراننا الهادئة... لكن كل ذلك تغير في اللحظة التي فتحت فيها الباب لألتقط الجريدة وطلب الخبز.
كانت هناك خزنة حديدية عملاقة تتوسط الممر أمام باب شقتي. صدئة عند الحواف، مليئة بالخدوش العميقة، وضخمة لدرجة أنها كانت تسد نصف المدخل.
صرخت:
— محمود! انزل حالًا!
نزل بعد دقيقة، والمنشفة على رقبته، وما إن رآها حتى تجمد في مكانه. قال مذهولًا:
— إيه ده؟
قلت:
— ده اللي كنت هسألك عنه… ما كانتش هنا امبارح، وما سمعتش أي "ونش" أو أي صوت في العمارة.
بدأنا ندور حولها. دفعتها بكل قوتي، لكنها لم تتحرك ولو سنتيمترًا. قال محمود وهو ينحني ليفحصها:
— مفيش أي بيانات شحن… ولا عنوان… ولا اسم مرسل.
ثم لاحظت ظرفًا صغيرًا مثبتًا فوق الخزنة. نزعت الظرف، فوجدت اسم زوجي مكتوبًا عليه بخط يد أنيق. تردد قليلًا قبل أن يفتحه، وقرأ السطر الوحيد الموجود داخله… وفجأة اختفى اللون من وجهه.
سألته:
— مكتوب إيه؟
لم يجب. كررت:
— محمود… مكتوب إيه؟
أدار الورقة نحوي. قرأت بصوت مرتجف:
“لقد أصبحت ملكًا لعائلتك الآن.”
كان وجهه شاحبًا بصورة لم أرها من قبل. كرمش الورقة بعنف ووضعها في جيبه. سألته:
— هل تعرف خط اليد ده؟
قال بسرعة:
— لا.
قلت:
— متأكد؟ بص تاني.
رد بعصبية:
— قلت لا يا سارة!
كانت تلك أول مرة يرفع فيها صوته عليّ. سألته بحذر:
— ممكن يكون حد من أهلك؟ حد من قرايبك مثلًا؟
قال وهو يشيح بنظره:
— مش منهم.
قلت:
— وإزاي متأكد للدرجة دي؟
ظل يحدق في الخزنة كأنها ستبتلعه، ثم قال بصوت منخفض:
— عشان أنا عارف… ده كل اللي أقدر أقوله.
وقفت أتأمل باب الشقة الذي دخل إليه محمود، ثم اتخذت قرارًا صامتًا… سأعرف ما بداخل تلك الخزنة… سواء وافق هو أم لا.
⸻
بمجرد أن خرج محمود إلى "المنور" ليرد على مكالمة هاتفية، أمسكت هاتفي بسرعة. بحثت عن أول صانع أقفال قريب واتصلت به. وصلت "عم صبحي" خلال أقل من ساعة. ما إن رأى الخزنة حتى أطلق صفيرًا منخفضًا وقال:
— يا نهار أبيض… دي وحش! جبتوها منين دي؟
أجبته بحذر:
— شخص ما تركها أمام بابنا، وجوزي فاكرها مجرد مقلب.
ألصق أذنه بباب الخزنة، وبدأ يدير القرص المعدني ببطء. وبعد ستين دقيقة من أصوات النقرات المعدنية، صدر صوت معدني ثقيل: "طق!".
رفع رأسه وقال بصوت خافت:
— فتحتها.
سحب الباب الثقيل، وانحنى لينظر داخلها… وفجأة، رأيت لون وجهه يختفي تمامًا. تراجع خطوتين للخلف وقال وهو يمسح كفيه في بنطاله:
— يا ست هانم…أنا بقالي 22 سنة في الشغلانة دي، شفت كوارث.. بس ده؟ لأ. ده أنا مش هلمسه!
أنا مش هلمس أي حاجة جوه. اتصلي بالبوليس… حالًا.
ركب "عم صبحي" معداته وانصرف بسرعة، وكأنه يهرب من جحيم. بقيت وحدي أمام الخزنة. انحنيت ببطء ونظرت للداخل.
ووقتها اكتشفت كارثة قلبت حياتي كلها
في البداية ظننت أنها مجرد أوراق، لكن عندما بدأت أقرأ، تجمد الدم في عروقي. كانت عقود ملكية لعشرات الشقق والفيلات في مناطق راقية لم أزرها يومًا، واسمي أنا كان مكتوبًا على كل عقد!
وجدت ملفات قروض بنكية بمبالغ ضخمة، وكلها موقعة باسمي! وأخيرًا، أخرجت حقيبة جلدية صغيرة، فتحتها لأجد أربعة جوازات سفر، كلها تحمل صورة محمود… لكن بأسماء مختلفة وأختام دخول وخروج لدول لم يخبرني أبدًا أنه سافر إليها.
في تلك اللحظة… أدركت أن الرجل الذي تزوجته يعيش حياة سرية، وأنه ورطني معه في جرائم تزوير ونصب.
سمعت صوت خطوات تقترب من المطبخ. ناداني بصوته المعتاد:
— سارة… مين ده اللي مشي؟
كنت أحدق في الجوازات والأوراق. توقفت خطواته فجأة… لقد رأى كل شيء.
ضممت الأوراق لصدري. قال بصوت بارد، خالٍ من أي مشاعر:
— سارة… حطي الأوراق دي مكانها.
استدرت نحوه. الرجل الواقف أمامي لم يكن زوجي الذي أعرفه؛ كانت عيناه باردتين كأنهما عينا غريب يقيّم مدى خطورتي عليه.
سألته:
— ليه اسمي على القروض دي يا محمود؟
قال ببرود:
— كنت بحمي أصولنا.
صرخت:
— ديون بآلاف الجنيهات باسمي! وتوقيعات مش توقيعي!
بدأت أتراجع للخلف وأنا أمسك هاتفي في جيبي. قال وهو يقترب:
— اسمعيني يا حبيبتي، ادخلي جوه ونتفاهم.
قلت:
— صانع الأقفال شاف كل حاجة يا محمود.
تغيرت ملامحه، وبدأ يحسب خطواته. في تلك اللحظة، سمعت صوت صفارات شرطة تقترب.
توقفت سيارات الشرطة أمام العمارة، ونزل الضباط بسرعة. صرخ أحدهم:
— ارفع يديك يا أستاذ!
تجمد محمود في مكانه، وأسقط الأوراق من يده. لم يقاوم، لكنه نظر إليّ بمرارة وقال:
— ستندمين على ده.
قلت:
— لا.. أنا ندمانة على السنين اللي صدقتك فيها.
اقتادوه للخارج، وفي تلك اللحظة، لفت انتباهي وجود امرأة مسنة تقف عند مدخل العمارة. التقت عيناها بعيني محمود، فشحب وجهه وتمتم:
— أ... أمي؟!
قلت لها بدهشة:
— محمود قال لي إن والدته ميتة من عشر سنين!
هزت رأسها بحزن وقالت:
— ما متش يا بنتي… كنت في السجن. أنا اللي بعتّ الخزنة، كنت شايلة فيها كل أسراره. لما خرجت، عرفت إنه بيعمل فيكي اللي عمله فيا وفي غيري… وما كانش ينفع أسكت أكتر من كده.
نظرتُ لتلك المرأة التي خاطرت بحريتها لتنقذني، وأدركت أن هذه الخزنة لم تكن لعنة، بل كانت طوق النجاة الذي أنهى أوهامي، ليبدأ لي غدٌ جديد.