قبل ان اسافر

لمحة نيوز

قبل ساعات من سفري، عدت إلى المنزل لأنني نسيت جواز سفري. لم أكن أتوقع أن أسمع أمي تستغيث من الداخل
وفي اللحظة التي قرأتها فيها تجمدت في مكاني.
رفعت رأسي ببطء نحو سارة.
كانت تنظر إلى شاشة الهاتف.
وعندما التقت عيناها بعيني...
اختفى اللون من وجهها تمامًا.
همست بصوت مرتجف
لا...
ثم تراجعت خطوة إلى الخلف وكأنها رأت شبحًا.
نظرت إلى الرسالة من جديد.
إذا كنت تعتقد أن خطيبتك كانت تحاول فقط إبعاد والدتك عن طريقها، فأنت لا تعرف سوى نصف الحقيقة.
توقفت أنفاسي.
وأكملت القراءة.
راجع وثيقة التأمين التي أُصدرت باسمك الأسبوع الماضي... لا تسافر.
أعدت قراءة الرسالة أكثر من مرة.
ولأول مرة منذ عرفتها...
رأيت خوفًا حقيقيًا في عيني سارة.
لم يكن خوفًا من الشرطة.
ولم يكن خوفًا بسبب ما فعلته بأمي.
سألت بصوت جاف
من الذي أرسل لك هذه الرسالة؟
لم أجبها.
كنت قد اتصلت بالشرطة بالفعل.
أعطيتهم عنوان المنزل.
وأخبرتهم أن امرأة مسنة تعرضت للاعتداء.
وأن هناك أوراقًا مزورة.
وأنني أحتاج إلى سيارة إسعاف ودورية شرطة فورًا.
ضحكت سارة.
ضحكة صغيرة ومكسورة.
ثم قالت
ستجعل من نفسك أضحوكة يا أحمد.
من سيصدقك؟
أنا أم أمك العجوز التي لم تعد تعرف ما يجري حولها؟
نظرت إلى أمي.
كانت تضع يدها على صدرها وتتنفس بصعوبة.
ومع ذلك كانت تنظر إليّ وكأنها تريد أن تطلب مني السماح.
مني أنا.
من ابنها الذي لم ير الحقيقة إلا متأخرًا.
قلت لسارة
الكاميرا.
ثم أشرت نحوها.
الكاميرا ستكشف حقيقتك
وفجأة ركضت.
لم تتجه نحو باب المنزل.
بل نحو المطبخ.
مباشرة إلى الخزانة التي يوجد بداخلها جهاز المراقبة الصغير المتصل بكاميرات المنزل.
تمكنت من نزع أحد الأسلاك.
لكنني أمسكت بمعصمها قبل أن تكمل.
صرخت
اتركني.
قلت ببرود
لن تلمسي شيئًا في هذا البيت مرة أخرى.
فصرخت
كان

من المفترض أن يصبح هذا البيت بيتي أيضًا!
ها هي قالتها أخيرًا.
من دون أقنعة.
من دون دموع مزيفة.
من دون صوت الخطيبة المثالية.
كان كل ما يشغلها هو هذا البيت.
أغمضت أمي عينيها.
فحملتها بحذر.
وأجلستها بمحاذاة الجدار بعيدًا عن شظايا الزجاج.
ثم وضعت قطعة قماش نظيفة على شفتها المجروحة.
وجمعت حبوب الضغط المتناثرة على الأرض بيدين ترتجفان من الغضب.
قلت
انظري إليّ يا أمي.
فتحت عينيها ببطء.
وقالت
أنا بخير يا بني.
هززت رأسي.
وقلت
لا يا أمي.
لم تعودي مضطرة إلى قول ذلك بعد الآن.
حاولت سارة التوجه نحو الباب.
لكن في تلك اللحظة وصل مروان.
سائقي الخاص.
نفس الرجل الذي أعادني إلى المنزل عندما اكتشفت أن جواز سفري ما زال هنا.
دخل مسرعًا من الباب الخارجي.
ثم توقف فجأة.
رأى أمي.
ورأى الدم.
ورأى سارة.
ومن دون أن أقول له كلمة واحدة وقف أمام الباب مباشرة.
وقال
المدام لن تغادر.
رفعت سارة ذقنها بتعالٍ.
وقالت
ابتعد عن طريقي أيها السائق.
لكن مروان لم يرمش حتى.
وقال بهدوء
اليوم لست سائقًا.
أنا شاهد.
وبعد خمس دقائق سُمعت أصوات سيارات الشرطة والإسعاف.
خمس دقائق بدت وكأنها عمر كامل.
توقفت سارة عن البكاء وبدأت تحاول التفاوض.
قالت
أحمد... فكر بعقلك. بقي على زفافنا ثلاثة أسابيع فقط. المدعوون تمت دعوتهم والقاعة محجوزة ورحلة السفر مرتبة وكل شيء أصبح جاهزًا.. ما زال بإمكاننا إصلاح هذا.
قلت
أمي تنزف.
قالت بسرعة
كان حادثًا.
قلت
سمعتكِ وأنتِ تصفينها بالخادمة العجوز.
قالت
كنت غاضبة.
قلت
وأخفيتِ عنها دواءها.
صرخت
أنت لا تعرف كيف يكون العيش مع شخص مثلها!
اقتربت منها خطوة.. لم ألمسها.. ولم أكن بحاجة إلى ذلك.
قلت وأنا أنظر في عينيها
إياكِ أن تتحدثي عن أمي بهذه الطريقة مرة أخرى. تلك المرأة كانت تغسل ملابس الناس حتى
لا أنام جائعًا. تلك المرأة كانت تكتفي بالخبز والشاي أيامًا طويلة حتى أستطيع الذهاب إلى المدرسة مثل بقية الأطفال..تلك المرأة باعت ذهبها وكل ما تملك حتى أكمل دراستي.

أما أنتِ فدخلتِ هذا البيت بعد أن أصبح جاهزًا ورأيتِ الرخام والجدران الجميلة. فظننتِ أن ذلك يمنحكِ الحق في إهانة صاحبة البيت.
أطبقت سارة على أسنانها وقالت بغضب
هي لم تكن تنوي أن تتركك لي أبدًا.
قلت دون تردد
وأنا لم أطلب منها ذلك أصلًا.
في تلك اللحظة وصلت أول سيارة شرطة.
ثم لحقتها سيارة الإسعاف.
دخل المسعفون إلى المطبخ بسرعة.
وجلس أحدهم بجوار أمي يفحصها.
وسألني
هل تعاني من ضغط الدم؟
هل تتناول أدوية بشكل منتظم؟
هل فقدت وعيها؟
أجبته بما أعرفه.
بينما كانوا يضعون جهاز قياس الضغط على ذراعها.
وبينما كنت أراقب وجه أمي المتعب...
لم أعد أفكر في الأوراق. ولا في البيت ولا في سارة.
كل ما كنت أراه هو المرأة التي أفنت عمرها من أجلي.
والتي انتهى بها الأمر مضروبة ومهانة داخل منزلها.
اقترب أحد رجال الشرطة مني.
وقال
أخبرني بالتفصيل ماذا حدث.
أشرت نحو كاميرات المراقبة.
وقلت
كل شيء مسجل.
في تلك اللحظة عاد اللون لوجه سارة ثم اختفى من جديد.
وقالت بسرعة
لا يحق له استخدام التسجيلات.
نظر الشرطي إلى الدم على الأرض.
وإلى العصا المكسورة. وإلى وجه أمي.
ثم قال ببرود
في الوقت الحالي... الشيء الوحيد الذي لا يحق لكِ فعله هو مغادرة المنزل.
بعد أقل من نصف ساعة وصل محاميّ.
الأستاذ سامر.
الرجل الذي رافقني منذ الأيام الأولى.
منذ أن كانت شركتي مجرد مقاول صغير وعاملين وشاحنة قديمة.
وصل على عجل. من دون ربطة عنق.
وقميصه يحمل آثار يوم عمل طويل وبمجرد أن دخل المنزل ونظر إلى المشهد...
أدرك أن كل شيء قد تغير.
وأن رحلة السفر والعقد الذي كنت أستعد لتوقيعه وكل الخطط التي وضعتها للأشهر القادمة.
..

لم تعد أهم ما في الأمر.
اقترب مني المحامي سامر وهمس في أذني
يا أحمد، لا تتحدث معها بعد الآن.
أعطِ الشرطة التسجيل كاملًا.
ولا تحذف أو تعدل أي شيء.
قلت
هناك رسالة.
ثم ناولته هاتفي.
قرأها فتغيرت ملامحه.
وسألني
من هذه؟
قلت
لا أعرف.
أخرج هاتفه واتصل بالرقم.
انتظر لحظات. ثم جاءه الرد كانت امرأة.
لم يضع المكالمة على مكبر الصوت.
لكنني استطعت أن أسمع نبرة صوتها المرتجفة.
قالت
اسمي سلوى.. وأعمل في شركة التأمين. أنا من أنجزت المعاملة.. لم يكن من المفترض أن أتصل بك.. لكنني رأيت التوقيع.. ثم رأيت اسم المستفيدة وشعرت أن هناك شيئًا غير طبيعي.
سألها سامر
ولماذا طلبتِ منه ألا يسافر؟
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت
لأن شخصًا اتصل أمس ليسأل إن كانت تشمل الوفاة الناتجة عن حادث أثناء التوجه إلى المطار.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.
أما مروان الذي كان يقف بالقرب منا...
فتمتم مستعيذًا بالله.
قالت سارة بسرعة
هذا كلام فارغ.
لكن صوتها لم يعد يحمل الثقة نفسها.
لم تعد غاضبة.
بل بدت محاصرة.
في تلك اللحظة أدركت شيئًا مرعبًا.
الرحلة التي كنت أستعد لها منذ أسابيع ورحلة العمر التي ظننت أنها ستغير مستقبلي ربما كانت ستصبح أفضل حجة لإخفاء جريمة كاملة.
سأل سامر المرأة
ومن الذي اتصل بكم؟
انخفض صوتها أكثر.
وقالت
رجل.
قال إنه المساعد القانوني للسيد أحمد وأرسل نسخة من الوكالة.
التفتُّ نحو الملف الأبيض فوق الطاولة.
الوكالة المزورة.
التوقيع المزور.
الثقة المزورة.
كل شيء بدأ يترابط أمامي.
وكان واضحًا أن سارة لم تكن تعمل وحدها.
في تلك الأثناء انتهى المسعفون من تجهيز أمي لنقلها إلى المستشفى.
أردت أن أرافقها.
لكنها أمسكت يدي قبل أن تتحرك النقالة.
وقالت بصوت خافت
لا تدعها تفلت هذه المرة يا بني.
كسرتني
تلك الكلمات.

أمي نفسها.
التي كانت ترجوني قبل أيام ألا أثير المشاكل حتى لا يتعطل الزفاف.
هي نفسها التي أصبحت تطلب مني اليوم أن أطالب بحقها.
انحنيت وقبلت جبينها.
وقلت
لن أسمح بذلك أبدًا يا أمي.
بعد دقائق أخذت الشرطة سارة.
لم تكن مكبلة في البداية خرجت مرفوعة الرأس.
تحاول التمسك بما تبقى من صورتها أمام الناس.
لكنها ما إن وصلت إلى باب المنزل ورأت الجيران يراقبون من خلف الأبواب والنوافذ...
حتى فقدت أعصابها صرخت بأعلى صوتها
أحمد!
قل لهم إن هناك سوء فهم!
لم أجب.
فعادت تصرخ
هل ستدمر حياتي كلها بسبب امرأة عجوز؟!
عندها فقط أخرج الشرطي الأصفاد وقيد يديها.
ولحسن الحظ. لم تكن أمي هناك لترى ذلك.
في تلك الليلة لم تكن
 

تم نسخ الرابط