طردت أمي العجوز إلى أرخص دار رعاية.. وبعد وفاتها، نبتة صغيرة قلبت حياتي رأسًا على عقب

لمحة نيوز

طردت أمي العجوز إلى أرخص دار رعاية.. وبعد وفاتها، نبتة صغيرة قلبت حياتي رأسًا على عقب
نبتة أمي.. 
أنا مشيت أمي من بيتها وهي عندها اتنين وسبعين سنة.
لحد النهاردة، اللحظة دي واقفة قدام عيني كأنها حصلت امبارح.. صالة الشقة الضيقة، الهوا اللي كان تقيل ويكتم النفس، وصوتي.. صوتي أنا شخصياً وأنا بكلمها، مكنش شبه صوت بنت بتكلم أمها أبداً.
كنت واقفة على باب الأوضة ومربعة إيدي، كأني بحمي نفسي من ذنب أنا عارفة إني بعمله. كنت بحاول أقنع نفسي إني واقعية وبفكر في مصلحة بيتي وعيالي عشان أهرب من تأنيب الضمير.
ورايا في الصالة، ولادي التلاتة كانوا بيجروا ويلعبوا.. ضحكهم مالي المكان، صوت عربية لعبة بتخبط في البلاط، وحد بيصرخ عايز عصير. الدنيا كانت زحمة ودوشة.. دوشة زيادة عن اللزوم. وفي دماغي مفيش غير فكرة واحدة بكررها زي العداد إحنا محتاجين وسع.. البيت ميبقاش ضيق علينا.
البيت ده أصلاً كان بتاع أبويا الله يرحمه. بعد ما مات، كل حاجة اتنقلت باسمي رسمي وقانوني.. ورق ومحاضر ومفيش أي مشاكل. بس السكوت اللي في الورق ده اتقلب لضغط فوق كتافي، لأن أمي مكنش ليها حتة تانية تروحها.
وقفت قدامي يومها وهي ماسكة شنطة قماش قديمة ودايبة.. دي كانت كل تِركتها في الدنيا، حاجة تتشال بإيد واحدة. ما جادلتش، ما عيطتش، ولا حتى بصت لي بزعل. كانت بتسمع وبس، كأنها مستسلمة لحاجة أنا لسه حتى مكملتش كلامي عنها.
وبعدين ابتسمت.. ابتسامة باهتة وتعبانة ملمستش عيونها، وقالت بصوت واطي
أنا مش هاخد معايا غير قصّية الزرع دي يا بنتي.
الجملة دي كان لازم تفوقني، كان لازم تخليني أرجع في كلامي.. بس أنا هزيت راسي وخلاص. كنت غرقانة لأخر تيت في وهم إني بعمل الصح.
وسألتها السؤال اللي هيفضل يطاردني طول عمري طب تحبي تروحي فين؟
وأنا من جوايا كنت مستنية إجابة معينة.. مكان قريب، رخيص، مكان يريحني ويخليني أخلص من الشيلة بسرعة.
بصت لي كتير قبل ما ترد، وقالت بحنية تكسر الظهر
وديني أرخص دار مسنين يا بنتي.. أنا عارفة إن عيشتكم على القد، ومش عوزة أكون حمل عليكم.
كلمة حمل دي نزلت زي الطوبة في صدري. وبدل ما أخدها في حضني وأقولها ده بيتك، هزيت راسي تاني.. وأنا حاسة بالراحة! مش بالوجع، بالراحة.. عشان هي سهلتها عليا ومخلتنيش أحس بالذنب وقتها.
يوم الوداع
يوم ما مشيت، كانت بتتحرك خطوة خطوة.. بالراحة قوي، كأن كل خطوة بتاخدها بتدفع تمنها من صحتها. مبصتش وراها ولا لفت وشها للبيت ولا مرة.
كانت ماسكة الشنطة بإيد، وبالإيد التانية قصّية الزرع.. نبتة خضرا بسيطة كانت دايماً مخلياها عايشة ومحافظة عليها بقالها سنين. كانت بتسقيها كل يوم الصبح، حتى في الأيام اللي كانت بتبقى تعبانة ومش قادرة تقف على رجليها.
حطت الزرعة في العربية بالراحة، وأنا ممدتش إيدي أساعدها. قلت لنفسي هي هتعرف تتصرف، وقلت لنفسي هبقى أزورها قريب.. كلام كتير بنقوله لنفسنا عشان ننام ومضميرنا ميعذبناش. وقفت وقفلت الباب وراها.
والحياة، زي عادتها، بتملى المكان الفاضي. البيت مابقاش فاضي بالعكس.. بقا أسهل، أقل زحمة، ومفيش كركبة. عيالي خدوا الأوضة اللي كانت بتقعد فيها، وصوتهم بقا في كل مكان.
بس ساعات، في وسط الهدوء اللي بيجي فجأة، كنت باخد بالي.. الكرسي الفاضي اللي في الركن، غياب صوت دندنتها وهي واقفة في المطبخ بتعمل شاي، غياب الروح الهادية اللي كانت عايشة في خلفية حياتي. وكل ما افتكر.. أزق الفكرة بعيد، لأن الضمير بيبقى حمل تقيل لما تكون بتحاول تعيش وتنسى.
المكالمة اللي هزت البيت
فات أربعين يوم.. وتليفوني رن. رقم غريب.
حاجة في بطني اتعصرت قبل ما أرد.
من دار المسنين.. صوت اللي بيكلمني كان هادي، هادي زيادة عن اللزوم، الهدوء اللي بيسبق الصدمة.
البقاء لله.. والدتك اتوفت وهي نايمة الصبح.. في هدوء.
أنا فاكرة إني قعدت على الأرض من غير ما أحس، رجليا مالتشلتنيش.
أربعين يوم.. بس!
أربعين يوم من يوم ما مشيتها وقلت لنفسي إني بعمل الصح.
أربعين يوم من يوم ما خرجت شايلة الزرعة.
قالوا لي إنها متألمتش، كانت هادية، وسابت لي حاجة وراها الزرعة.. وجواب.
السر المدفون في الطين
بعد كام يوم، رحت أستلم حاجتها. الزرعة كانت زي ما هي.. خضرا، وعايشة، ومقاومة، كأنها رافضة تموت مع اللي كانت بتسقيها. الجواب كان متطبق جمبها ومكتوب بخط إيدها المرجوش بس العزيز عليا. فتحته وإيدي بتتنفض
دوري جوة الطين يا بنتي.. أنا آسفة، كان نفسي أديكي أكتر من كده، بس ده كل اللي حيلتي...
وقفت كتير باصة للكلام ومش فاهمة. أخدت الزرعة ورجعت البيت.
بالليل، بعد ما العيال ناموا، فرشت جرايد قديمة على أرض المطبخ. البيت كان هادي هدوء مرعب م عشتهوش من سنين. مفيش دوشة، مفيش ولاد.. أنا والزرعة وبس.
نزلت على ركبي، وصوابعي لمست الطين.. كان ساقع ومبلول. بدأت أحفر براحة، وأنا بقول لنفسي يمكن ألاقي ورقة قديمة، يمكن صورة.. يمكن مفيش حاجة خالص.
وفجأة.. صوابعي خبطت في حاجة ناشفة. جمدت في مكاني.. وطلعتها.
كيس بلاستيك صغير.. جوه الكيس جنيهات دهب قديمة!
مش غوايش ولا سلاسل.. دهب حقيقي، ليه قيمة وشيله للزمن.
إيدي بدأت تترعش أكتر، حفرت تاني.. طلعت كيس تاني.. وبعدين كيس تالت.
تلات أكياس مليانين دهب مدفونين في قاع القصّية.
نفسي اتقطع.. تلات أكياس.. على عدد ولادي التلاتة!
قعدت على أرض المطبخ وبصيت للدهب كأني مش في الدنيا. أنا مكنتش أعرف.. مكنتش أعرف إنها كانت محوشة حاجة، ولا إنها كانت بتشيل وتأمن مستقبلنا في الوقت اللي أنا كنت بفكر فيه في راحتي وبس.
وفي اللحظة دي، كل المبررات اللي كنت بضحك بيها على نفسي انهارت فوق دماغي.
أمي كانت تقدر تعيش بالدهب ده.. كانت تقدر تاكل لقمة أحسن، تقعد في مكان أنضف، كانت تقدر ترفض تمشي وتطلب تعيش ملكة! بس هي مطلبتش.. هي اختارت عيالي، واختارت تأمنهم، حتى بعد ما أنا اختارت راحتي وبعتها.. حتى بعد ما خذلتها.
في اللحظة دي، في حاجة جوايا اتكسرت وماتت.
سحبت قصّية الزرع لحضني وقعدت أعيط.. عياط بصوت عالي، عياط وندم قاسي.. الندم اللي بيجي متأخر قوي، ومبيصلحش أي حاجة تانية.

تم نسخ الرابط